.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
مواقف وتصريحات عدة خرجت في الآونة الأخيرة تؤكد أن السبب الحقيقي للحرب ضد إيران ديني لا سياسي. وكان لافتاً ما صرح به الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون إنه يعتقد "أن السبب الحقيقي للحرب مع إيران هو رغبة إسرائيل في إعادة بناء "الهيكل الثالث"، وإيجاد وسيلة لهدم المسجد الأقصى في القدس لجلب "المخلص" إلى العالم".
هذا الاعتقاد عززه تصريح آخر للسيناتور الأميركي المقرب من ترامب، ليندسي غراهام الذي أعلن أنها "حرب دينية وما نواجهه الآن هو لحظة حاسمة ستحدد مسار الشرق الوسط لألف عام".
حروب التصاريح استند إليها كثيرون ليطرحوا هواجسهم من العقيدة اليهودية التي تمّت "صهينتها" اليوم، مستغلين بعض الآيات المذكورة في العهد القديم لتطبيقها اليوم و"شرعنة" الحرب الإسرائيلية في المنطقة. وهذا ما دفع بوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إلى القول "كان الرئيس الأميركي ترامب ثابتاً جداً في موقفه من الأنظمة المجنونة كإيران المتشبثة بأوهام إسلامية نبوئية أنه لا يمكنها امتلاك أسلحة نووية".
فهل الهجوم على إيران أسبابه سياسية أم دينية؟
سؤال طُرح كثيراً في الآونة الأخيرة مع التطورات السياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، حيث يُحذر البعض من أن الحرب على إيران هي بأمر من المسيح (الدجال) وهي جزء من خطة إلهية. والقتال بجانب الإسـرائيليين ضد المسـلمين هو تحقيق لنبوءة "هرمجدون الكبرى"، التي وردت في سفر الرؤيا (الإصحاح 16 :16) من الكتاب المقدس. ونبؤءة "هرمجدون الكبرى" مصطلح ديني، تعني المعركة النهائية الفاصلة بين قوى الخير (بقيادة المسيح) والشر (جيوش العالم) في نهاية الزمان، وتُعرف باسم "يوم الله القادر على كل شيء".
يستند اليهود إلى سفر التكوين "وسأعطيك أنت ونسلك من بعدك كل أرض كنعان ملكاً إلى الأبد" لتبرير حربهم المشروعة ونواياهم. لكن ما يؤمن به قسم من اليهود يختلف عن الحركة الصهيونية، التي تتذرع بالآيات المذكورة في العهد القديم لشنّ حربها السياسية في المنطقة وتسييسها وفق مصالحها. برأيهم "نحن هنا لنبقى، قصتنا لم تنته في الكتاب المقدس بل بدأت فيه".
في سياق متصل، أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً عن تأييده لما يسمى رؤية إسرائيل الكبرى، المخطط الذي يسعى لضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن ولبنان وسوريا ومصر، مؤكدًا شعوره بأنه يحمل رسالة تاريخية وروحانية تتوارثها الأجيال.
بموازاة ذلك، كشف تقرير لصحيفة "الغارديان" عن أن بعض القادة العسكريين في الجيش الأميركي يستخدمون خطاباً دينياً متطرفاً يستند إلى نبؤات "نهاية الزمان" لتبرير المشاركة في الحرب ضد إيران. ذكرت مؤسسة الدفاع عن الحرية الدينية أن أكثر من 200 جندي أميركي قدّموا شكاوى حول استخدام بعض القادة العسكريين خطاباً مسيحياً متطرفاً لتبرير مشاركة الجنود في الحرب على إيران.
ورأى سفير الولايات المتحدة في إسرائيل مايك هاكابي، في مقابلة له مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، أن لإسرائيل "حقاً توراتياً" في أرض تمتد من النيل إلى الفرات.
ويتبنّى الخطاب الصهيوني تفسيرات خاصة به لتأويل النصوص التوراتية، منها ما جاء في سفر التكوين: "في ذلكَ اليَوْمِ قَطَعَ الربُّ مَعَ أبْرامَ ميثاقاً قائلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطي هَذِهِ الأرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إلى النَّهْرِ الكَبِيرِ نَهْرِ الفُراتِ". وكذلك حين خاطب الربُّ أبرام (إبراهيم) في السفر نفسه: "ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ المَوْضِعِ الذي أنْتَ فيهِ شمالاً وجَنوباً وَشَرْقاً وغَرْباً*فَهَذِهِ الأرْضُ كُلُّها أهَبُها لَكَ وَلِنَسْلِكَ إلى الأبدِ".
فكرة إسرائيل الكبرى لم تكن يوماً خيالاً، وإنما رؤية حقيقية تسعى الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل لتحقيقها.
انطلاقاً من هذه التحذيرات والقراءات الدينية – السياسية، نحاول في هذا التحقيق الغوص في العهد القديم لتفسير الآيات المذكورة في بعض الأسفار وشرحها من منطلق ديني قبل أن نحلّلها بقراءة سياسية.
تستهل الأخت روز أبي عاد، المتخصصة في العهد القديم من الكتاب المقدس، حديثها بالتعريف بمفهوم الأرض في الكتاب المقدس قبل الغوص في العقيدة اليهودية وكيفية توظيفها اليوم. وتؤكد أبي عاد أن "الموضوع شائك ومعقّد نتيجة تداخل النصوص في ما بينها. فإذا أردنا البحث في مسألة الأرض في العهد القديم، وهو مؤلَّف من 46 سفراً كُتبت بطريقة غير متسلسلة زمنياً، نجد أنفسنا أمام نصوص متداخلة ومتعددة".
وتضيف أن كل ما سنتطرق إليه ينطلق من الكتاب المقدس الذي لا يُعدّ كتاباً تاريخياً أو جغرافياً، بل يتناول التاريخ والجغرافيا كإطار ثانويّ، فيما الهدف الأساس هو الحديث عن علاقة الله بالإنسان وكيف دخل في تاريخه. وبالتالي، فإن الغاية من الكتاب المقدس هي بالدرجة الأولى لاهوتية وروحية. أما قراءته بالطريقة التي يعتمدها بعض المتزمتين فتوقعنا في فخ التفسير الحرفي للنصوص، وهو ما يقوم به الصهاينة الذين يقرأون الكتاب المقدس قراءة حرفية ويستخلصون منها خلاصات سياسية.
الأخت روز أبي عاد، المتخصصة في العهد القديم من الكتاب المقدس
نقطة الانطلاق كانت مع دعوة الله لأبرام، أول الآباء، إذ تعني كلمة "أبرام" الأب المرتفع، قبل أن يغيّر الله اسمه إلى إبراهيم، أي "أب لشعوب كثيرة"، في إطار مشروع حياته الجديدة. وتندرج هذه الدعوة ضمن مسار الآباء الثلاثة: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وتعود إلى نحو 1850 سنة قبل ميلاد المسيح.
وتضيف أن الدعوة الإلهية جاءت في سفر التكوين بالقول: "انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أريك، وأنا أجعلك أمة كبيرة، وأباركك وأعظم اسمك" (تك 12: 1).
ولكن هذه الدعوة كانت مشروطة، كما تشير إليها أبي عاد، والشرط أن "تكون بركة"، وهو ما ورد في الفصل 12 في سفر التكوين. وبالتالي، لم تكن الدعوة مجانية بل وضعت مسؤولية على إبراهيم، ومن خلاله "ستتقاسم جميع الأمم البركة". وتعتبر هذه النقطة جوهرية. لذلك من المهم فهم هذه الرسالة، وإلا سنقع في استنتاجات خاطئة ووخيمة بشأن الكتاب المقدّس بأكمله.
من هنا، تشدد الأخت أبي عاد على أن "من ثوابت الكتاب المقدس أن الله لا يدعو أحداً، لا إبراهيم ولا غيره، ولا يختار فرداً أو شعباً لنفسه بمعزل عن الآخرين، بل يدعو الأنبياء ليُرسلهم فيتمموا الرسالة. إبراهيم حمل أمانة كان عليه إيصالها، وهي أن يكون بركة وأن يشارك جميع الشعوب هذه البركة.
الأرض التي تحدث عنها الرب لإبراهيم كان يُقصد بها أرض كنعان. وهنا يبرز السؤال البديهي: أين تقع أرض كنعان؟ توضح الأخت أبي عاد بأنها تشمل "فلسطين المحتلة مع إسرائيل، إضافة إلى الساحل اللبناني أو جزء كبير منه، لأن جبل لبنان كان يُعرف سابقاً باسم حرمون".
وبالتالي يظهر نوع من الالتباس في تحديد حدود أرض كنعان، وفق ما يرد في سفر التكوين (تك 12: 6-13: 18) حيث لم يكن إبراهيم مستقراً في مكان واحد، بل كان كثير التنقّل، وبالتالي لم يكن هناك تحديد واضح لأرض كنعان. ومع ذلك، تُشكّل الأرض موضوعاً مركزياً في الإيمان الكتابي. لماذا؟