.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
يشكل الأمن المائي إحدى أكثر قضايا الأمن القومي المصري حساسية، في ظل اعتماد البلاد شبه الكامل على نهر النيل، الذي يوفر أكثر من 98 في المئة من مياهها العذبة. لذلك، يحضر سد النهضة والخطط الإثيوبية لبناء سدود جديدة بقوة في تحركات القاهرة ولقاءاتها الإقليمية والدولية.وفيما يتصاعد الخلاف بين البلدين على مياه النيل، فتحت المواجهات الداخلية المتجددة في إثيوبيا جبهة أخرى بين القاهرة وأديس أبابا، بعدما اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا مصر، إلى جانب السودان وإريتريا، بدعم القوى المسلحة التي تقاتل حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.الاتهام جاء من دون تقديم أدلة علنية، وردت عليه القاهرة بالتشديد على أن سياستها الخارجية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في 21 أيلول/سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية، بعضها قاتل بعضها الآخر في الحرب الأهلية بين عامي 2020 و2022، تشكيل "تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء"، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة إدارة انتقالية.ويضم التحالف قوى من مناطق وقوميات متعددة، في مقدمها "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" و"فانو"، إلى جانب جماعات من أوروميا وعفر وبني شنقول-قمز ومناطق أخرى.وتحوّل التصعيد سريعاً إلى مواجهات واسعة في شمال البلاد. وفي أحدث تطور، سُمعت فجر الخميس انفجارات في أديس أبابا، فيما تحدثت مصادر دبلوماسية وتحالف المعارضة عن هجمات بمسيّرات استهدفت مواقع في العاصمة، من بينها منشآت عسكرية، من دون إمكان التحقق بصورة مستقلة من تلك الروايات.وسط هذه التطورات، وجه جولا أصابع الاتهام إلى دول الجوار، قائلاً إن القوى التي تواجه الجيش الإثيوبي لا يمكن أن تحقق تقدماً من دون أن "تدفع وتُدعم وتُموّل" من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى.وجاء الرد المصري عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية نادر زكي الذي أكد أن السياسة الخارجية المصرية تستند إلى "ثوابت راسخة"، في مقدمها احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، معتبراً أن أي ادعاءات تشكك في التزام مصر بهذه المبادئ "باطلة".
ويرى مسؤولون ومحللون مصريون تحدثت إليهم "النهار" أن الاتهامات الإثيوبية لا تنسجم مع السياسة التي تتبعها القاهرة في أفريقيا، ولا مع مصالح مصر في استقرار منطقة القرن الأفريقي.وتستشهد القاهرة أيضاً بمشاركتها في مشروعات تنموية ومائية في القارة، ومنها مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا، إلى جانب استضافتها فعاليات اقتصادية وتنموية أفريقية.وفي هذا السياق، تستضيف مصر "منتدى العلمين أفريقيا" بين 2 و4 تشرين الأول/أكتوبر في مدينة العلمين الجديدة، بمشاركة جهات أفريقية وإقليمية ودولية.وتقول الباحثة في الشؤون الأفريقية الدكتورة داليا سعدالدين لـ"النهار" إن "الديبلوماسية التي تتبعها مصر، مثل الشراكة في مشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا، والمشروعات المائية والتنموية الأخرى بدول حوض النيل، واستضافة الفعاليات الأفريقية التنموية مثل منتدى العلمين أفريقيا، كلها جهود تدحض الرواية الإثيوبية التي تحاول إظهار القاهرة كمناهض للتنمية في دول أفريقيا".
يأتي التصعيد السياسي مع إثيوبيا في وقت تعيد فيه القاهرة رفع سقف خطابها حيال أمنها المائي.وخلال لقاء موسع عقده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مساء الثلاثاء مع مجلسي الوزراء والمحافظين وكبار المسؤولين وقادة الجيش والشرطة وقيادات محلية، أكد أن الدولة تمنح "قضية السدود الإثيوبية المساحة للديبلوماسية والحلول السلمية"، مشدداً في الوقت نفسه على أن ذلك "لن يكون على حساب وجود مصر وشعبها".وأضاف أن سد النهضة "لم يُبنَ إلا على إثر الأحداث التي شهدتها الدولة خلال الفترة من 2011 حتى 2013، وغياب الدولة"، مشيراً إلى الجهود التي تبذلها مصر لزيادة مواردها المائية من خلال تحلية مياه البحر ومعالجة المياه وإعادة تدويرها.وخاضت القاهرة منذ عام 2011 مفاوضات طويلة مع أديس أبابا بهدف التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم على قواعد ملء سد النهضة وتشغيله، بما يراعي مصالح دولتي المصب، مصر والسودان، إلى جانب إثيوبيا.إلا أن المفاوضات انتهت من دون اتفاق، وأعلنت مصر انتهاء المسار التفاوضي في 19 كانون الأول/ديسمبر 2023، فيما واصلت إثيوبيا استكمال المشروع وصولاً إلى افتتاح السد رسمياً في 9 أيلول 2025.وزاد القلق المصري أخيراً بعد إعلان أديس أبابا نيتها إقامة سدود جديدة على النيل الأزرق، بينما تؤكد القاهرة رفضها أي إجراءات أحادية يمكن أن تؤثر في تدفقات المياه إليها.
يرى الخبير المتخصص في الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن الاتهامات التي وجهها رئيس الأركان الإثيوبي إلى القاهرة "غير منطقية وتفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة".ويقول لـ"النهار" إن انفجار الأوضاع في إثيوبيا "ليس مفاجئاً"، في ظل التوترات المتراكمة بين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" وقوميات وقوى أخرى من جهة، وحكومة آبي أحمد من جهة ثانية، معتبراً أن جذور الأزمة ترتبط بخلافات سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية.ويضيف: "كيف يمكن اتهام مصر أو غيرها بتحريك تلك القوى، فيما هناك أزمة بنيوية واضحة داخل الدولة الإثيوبية نفسها؟ القاهرة تدعم المؤسسات الوطنية والجيوش، وتحترم سيادة الدول، وتدعو دائماً إلى الحفاظ على وحدة أراضيها وسلامتها".أما سعدالدين، فترى أن اتهام مصر يندرج ضمن ما تصفه بـ"استراتيجية تصدير الأزمات"، معتبرة أن استدعاء "العدو الخارجي" يمكن أن يؤدي وظيفة داخلية في جمع الجمهور حول السلطة وتبرير إخفاقاتها في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية.وتقول إن هذه المقاربة "توجه نظر الشارع الإثيوبي بعيداً عن الأزمات الاقتصادية والسياسية الكبيرة"، وتوفر، في الوقت نفسه، تفسيراً حكومياً للصعوبات الداخلية عبر الحديث عن "مؤامرة إقليمية" تقودها دول مجاورة.وبعيداً من تبادل الاتهامات، تبدو مصلحة القاهرة المباشرة مرتبطة باستقرار إثيوبيا ومنطقة القرن الأفريقي، التي تمثل امتداداً للأمن القومي المصري، فيما يبقى جوهر الخلاف بين البلدين مرتبطاً بمياه النيل.فالموقف الذي تعلنه مصر لا يقوم على رفض حق إثيوبيا في التنمية، وإنما على المطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل سد النهضة وأي منشآت تؤثر في النهر المشترك، ويمنع اتخاذ قرارات أحادية في مورد مائي ترتبط به حياة عشرات الملايين من المصريين.