لم تعد أهم الأسئلة التي تفرضها الأزمة الإيرانية اليوم مرتبطة فقط بما يمكن أن تفعله أجهزة الطرد المركزي داخل المنشآت النووية، ولا بمدى اقتراب طهران من امتلاك قدرة نووية عسكرية يمكن أن تغيّر كل توازنات الشرق الأوسط، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بما يمكن أن تفعله مساحة بحرية صغيرة من الجغرافيا في قلب الخليج باقتصاد العالم كله.
فمضيق هرمز، ذلك الممر البحري الضيق الذي يبدو على الخريطة مجرد شريط أزرق من الماء، يحمل في واقعه وزنًا اقتصاديًا وسياسيًا يفوق مساحته بكثير، لأنه يمثل أحد أهم الشرايين التي تعبر من خلالها الطاقة إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا بدأت الأزمة تأخذ معنى آخر جديدا، فالمواجهة التي انطلقت من الملف النووي الإيراني أخذت تتسع لتلامس أمن الملاحة، وأسعار النفط، وكلفة التأمين، وسلاسل الإمداد، وثقة الأسواق، بحيث أصبح البحر جزءًا من المعادلة النووية، وأصبح النفط جزءًا من الحسابات الأمنية، وأصبح المضيق نفسه ورقة في لعبة النفوذ الدولي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: البرنامج النووي خطر إستراتيجي طويل المدى يحتاج إلى مفاوضات ورقابة وتقديرات سياسية وأمنية معقدة، أما مضيق هرمز فيملك القدرة على صناعة الصدمة في الساعات الأولى، يكفي أن تتردد ناقلة في العبور، أو ترتفع كلفة التأمين، أو تتراجع شركات الشحن عن المخاطرة، حتى تبدأ الأسواق في احتساب الخطر قبل أن يتحول إلى واقع.
النووي قد يعيد تشكيل ميزان القوة، لكن المضيق يستطيع أن يهز ميزان الأسعار، وهذه القدرة وحدها تمنح الجغرافيا الإيرانية قيمة سياسية هائلة.
فإيران لا تحتاج إلى السيطرة على سوق النفط العالمي حتى تؤثر فيه، ولا تحتاج إلى امتلاك كل مصادر الطاقة حتى تستطيع الضغط على الاقتصاد الدولي، يكفي أن تمتلك القدرة على التأثير في الطريق الذي تسلكه هذه الطاقة. وهنا تصبح الجغرافيا قوة سياسية بحد ذاتها، لأن الدولة التي تملك السلعة الإستراتيجية تملك مصدرًا للقوة، بينما الدولة التي تستطيع التأثير في الطريق الذي تصل عبره تلك السلعة إلى العالم تمتلك قدرة أخرى أكثر غموضا: القدرة على صناعة عدم اليقين.
والأسواق، في كثير من الأحيان، تخشى عدم اليقين أكثر مما تخشى ارتفاع الأسعار.
فعندما ترتفع أسعار النفط بسبب زيادة الطلب أو تراجع الإنتاج، يستطيع السوق أن يبحث عن توازن جديد، أما عندما ترتفع بسبب احتمال اضطراب طريق بحري رئيس، فإن الأسئلة تصبح مفتوحة على كل الاحتمالات: إلى متى سيستمر الخطر؟ هل سيتوسع الصراع؟ هل سترتفع كلفة التأمين؟ هل ستتراجع حركة السفن؟ وهل تستطيع الطرق البديلة استيعاب الكميات؟ عندها لا يعود النفط مجرد برميل يباع ويشترى، بل يتحول إلى خبر سياسي، وإلى مؤشر على مستوى التوتر، وإلى مرآة للخوف العالمي.
ومن هنا تأتي النقلة الأكثر حساسية في المشهد الإيراني. فالسؤال الدولي الذي ظل لسنوات يدور حول مدى اقتراب طهران من القدرة النووية، أصبح يجاوره سؤال آخر لا يقل اهمية وخطورة: ماذا يحدث إذا أصبحت حرية الملاحة نفسها جزءًا من التفاوض السياسي؟ هنا تنتقل المواجهة من المنشآت إلى البحر، ومن أجهزة الطرد المركزي إلى حركة الناقلات، ومن تقارير الرقابة النووية إلى أسعار الطاقة وأقساط التأمين وحسابات شركات الشحن.
وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى انتقالًا من ملف تقني إلى ملف اقتصادي، لكنه في جوهره انتقال سياسي بامتياز، لأن حرية الملاحة ليست مجرد قضية تجارية، وإنما جزء من منظومة القواعد التي قامت عليها حركة التجارة الدولية.
والخطر لا يكمن فقط في إغلاق المضيق فعليًا، بل في أن يصبح مجرد احتمال إغلاقه قادرًا على تغيير سلوك الأسواق والشركات والدول. عندما تبدأ كل ناقلة في طرح السؤال: هل الطريق آمن اليوم؟ وهل سيظل آمنًا غدًا؟ فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدودها العسكرية وأصبحت أزمة ثقة في الطريق نفسه.
والتاريخ القريب يقدم نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتحول الممرات البحرية إلى جزء من الصراع.
ففي ثمانينيات القرن الماضي، وخلال الحرب العراقية الإيرانية، أصبحت ناقلات النفط في الخليج جزءًا من المواجهة فيما عُرف بحرب الناقلات، واضطرت الولايات المتحدة إلى التدخل لحماية الملاحة التجارية ضمن عملية «إرنست ويل»، في رسالة لم تكن موجهة إلى ناقلة بعينها بقدر ما كانت دفاعًا عن مبدأ أوسع، وهو ألا تتحول طرق التجارة الدولية إلى رهينة للحروب.
لكن تلك المرحلة حملت أيضًا واحدة من أكثر الوقائع مأساوية، عندما أسقطت السفينة الأمريكية «فينسينز» في يوليو 1988 طائرة مدنية إيرانية، ما أدى إلى مقتل 290 شخصًا. وكان ذلك الحادث تذكيرًا قاسيًا بأن عسكرة الممرات البحرية لا تحمل مخاطر اقتصادية فحسب، وإنما تفتح أيضًا الباب أمام أخطاء عسكرية يمكن أن تتحول في لحظة واحدة إلى مآسٍ دولية.
واليوم، قد تكون الظروف مختلفة، لكن الدرس لا يزال قائمًا: عندما يصبح البحر جزءًا من الصراع، ويصبح العالم كله أقرب إلى تداعياته.
فمضيق هرمز ليس مشكلة خليجية محلية، لأن الطاقة التي تمر عبره لا تبقى في الخليج. إنها تتحرك إلى المصانع الآسيوية، وإلى الأسواق الأوروبية، وإلى وسائل النقل، وإلى شبكات الإنتاج والتجارة في أنحاء مختلفة من العالم.
لهذا فإن أي اضطراب كبير في المضيق يمكن أن يتحول بسرعة إلى فاتورة عالمية، تدفعها الدول المستوردة، والشركات، والمستهلكون، وحتى الاقتصادات التي تبدو بعيدة جغرافيًا عن المنطقة.
والمفارقة أن إيران نفسها لا تستطيع فصلها عن هذه النتائج، فارتفاع أسعار النفط لا يصيب الغرب وحده، بل يمكن أن يرفع تكاليف النقل والإنتاج والطاقة في آسيا، وهي المنطقة التي تمثل أهمية كبرى في سوق الطاقة العالمي. ولذلك فإن هرمز يشبه سلاحًا ذا حدين: يمكن أن يمنح طهران قدرة على الضغط، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يرتد على مصالحها وعلى الاقتصاد الإقليمي والدولي الذي تتحرك داخله. ومع ذلك، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى استخدام هذا السلاح بصورة كاملة حتى تستفيد منه.
ففي السياسة الدولية، قد تكون قوة التهديد أحيانًا أكبر من قوة التنفيذ.
الدولة لا تحتاج دائمًا إلى أن تفعل ما تهدد به، يكفي أن تقنع الآخرين بأنها قادرة على فعله.
وهنا يتحول الاحتمال إلى تكلفة، والخوف إلى رقم في حسابات الشركات، والقلق إلى ارتفاع في أسعار التأمين والطاقة.
يمكن لتهديد الملاحة أن يجعل شركات الشحن أكثر حذرًا، ويمكن لاحتمال التصعيد أن يدفع الأسواق إلى تسعير الحرب قبل وقوعها، ويمكن لمجرد الحديث عن إغلاق المضيق أن يغيّر توقعات المستثمرين.
وهذه إحدى أكثر أدوات الصراع الحديثة تأثيرا: أن تجعل خصمك يدفع ثمن سيناريو لم يقع بعد.
وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي تريد منع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، لكنها لا تريد حربًا مفتوحة تضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة طاقة واسعة.
تريد حماية الملاحة، لكنها تعرف أن أي مواجهة عسكرية كبيرة في هرمز قد تنتج جزءًا من النتائج التي تحاول تجنبها، من ارتفاع أسعار النفط إلى اضطراب الأسواق واتساع رقعة الصراع.