لم يعد السؤال الذي يفرض نفسه عند الحديث عن السعودية: كم تملك من مخزون نفطي؟ بل أصبح السؤال أكثر اتساعا: ماذا تستطيع أن تصنع بهذه الثروة والقوة، وإلى أين تريد أن تصل بها؟
ذلك أن السعودية التي عرفها العالم لعقود بوصفها واحدة من أكبر البلدان المنتجة للنفط، تتحرك اليوم نحو إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه.
فالنفط لم يفقد أهميته، ولن تفقده المملكة في اقتصادها أو في مكانتها الدولية، لكن الرياض لم تعد تريد أن يكون النفط هو التعريف الوحيد لقوتها. إنها تعمل على بناء شبكة واسعة من مصادر النفوذ، تتداخل فيها الثروة والاستثمار والدبلوماسية والثقافة والسياحة والتكنولوجيا والرياضة والعمل الإنساني، لتنتقل المملكة من امتلاك موارد القوة إلى صناعة التأثير.
وهنا تكمن أهمية التحول السعودي: المسألة ليست تنويعا اقتصاديا بالمعنى الضيق، وإنما محاولة لبناء نموذج جديد للقوة الوطنية، تكون فيه الثروة وسيلة، بينما يصبح التأثير هو الغاية الأوسع.
ولعل التحول الأكثر دلالة في هذا السياق هو المسار الذي اتخذه صندوق الاستثمارات العامة. فالصندوق الذي بلغت أصوله أكثر من 900 مليار دولار بنهاية 2025، بعد أن كانت في حدود 150 مليار دولار عام 2015، لم يعد مجرد صندوق سيادي يستثمر الفوائض، بل أصبح أداة مركزية لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي، وللدخول في قطاعات وأسواق وشراكات تتجاوز الحدود التقليدية للاستثمار السيادي. ويشير الصندوق إلى أن محفظته تضم أكثر من 220 شركة، وأن أنشطته أسهمت بين 2021 و2025 بأكثر من 342 مليار دولار في الناتج المحلي غير النفطي للمملكة.
وهذه الأرقام لا تعني فقط أن السعودية تستثمر أموالها في العالم، بل تعني أن رأس المال السعودي أصبح جزءًا من صناعة المستقبل العالمي. فالاستثمار في التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة والترفيه والرياضة والبنية التحتية وغيرها من القطاعات لا يُقرأ فقط باعتباره بحثا عن عائد مالي، وإنما باعتباره أيضًا وسيلة لبناء مواقع جديدة في الاقتصاد الدولي.
وهنا ينتقل النفط من كونه «ثروة» إلى كونه رأس مال للتحول. فالدولة التي كانت تستخرج الطاقة من باطن الأرض، تريد اليوم أن تستثمر ثروتها في اقتصاد المعرفة، وفي المدن الجديدة، وفي التكنولوجيا، وفي الإنسان، وفي صناعة تجارب ثقافية وسياحية قادرة على جذب العالم إليها.
وهذا يفسر جانبا مهما من فلسفة رؤية السعودية 2030: ليست القضية أن يصبح الاقتصاد أقل اعتمادا على النفط فحسب، وإنما أن يصبح الاقتصاد السعودي أكثر قدرة على إنتاج القيمة خارج النفط.
واللافت أن هذا التحول لا يجري في الاقتصاد وحده. فالسياحة، مثلًا، تحولت من نشاط محدود إلى أحد وجوه الحضور السعودي الجديد.
ووفق التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025، استقبلت المملكة 123 مليون سائح في ذلك العام، بينهم أكثر من 30 مليون زائر دولي، وبلغ الإنفاق السياحي 81 مليار دولار، فيما رُفع الطموح إلى 150 مليون زائر بحلول 2030 بعد تجاوز هدف المائة مليون زائر قبل الموعد المحدد.
الأرقام مهمة لكن الأهم منها هو المعنى السياسي والثقافي للسياحة
عندما يأتي السائح إلى العلا أو الدرعية أو جدة التاريخية أو عسير أو سواحل البحر الأحمر، فإنه لا يستهلك خدمة سياحية فقط، إنه يدخل إلى قصة بلد، ويكتشف جغرافيا وثقافة وتراثًا وتاريخًا كان حضوره في المخيال العالمي محدودًا أو اختُزل في صورة النفط والصحراء.
وهكذا تصبح السياحة أداة من أدوات القوة الناعمة: أن تجعل العالم يأتي إليك لكي يكتشفك بنفسه، بدل أن يكتفي بالصورة التي رسمها عنك الآخرون.
والثقافة تؤدي الوظيفة نفسها، ولكن بعمق أكبر. فالمملكة لا تكتفي باستضافة الفعاليات، بل تعمل على تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي ومجال للتعبير عن الهوية الوطنية وحضور دولي متزايد.
ويشير تقرير رؤية 2030 لعام 2025 إلى توسع الحضور الثقافي السعودي عالميًا، من خلال مواقع التراث والعناصر الثقافية المعترف بها من اليونسكو، إلى جانب المهرجانات والبرامج التي تدعم الفنون التقليدية والتراث.
وهنا تحديدًا تبرز قيمة الفكرة، فالنفوذ الثقافي لا يُقاس بعدد المهرجانات وحدها، وإنما بقدرة الثقافة على إنتاج صورة جديدة عن المجتمع، وعلى فتح مساحات للحوار، وعلى جعل الآخر أكثر استعدادا لفهمك.
لكن أكثر ما يكشف طبيعة التحول السعودي ربما لا يوجد في النفط ولا في السياحة ولا حتى في الثقافة، بل في الذكاء الاصطناعي.
ففي 2026، أعلنت المملكة تسمية العام «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تعكس انتقال التكنولوجيا المتقدمة إلى قلب المشروع الوطني.
وتقول الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي إن المملكة تستهدف تعزيز موقعها كمركز عالمي للبيانات والذكاء الاصطناعي، وتورد مؤشرات لافتة، من بينها احتلال السعودية المرتبة الثالثة عالميًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة وفق مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025، والثالثة عالميًا والأولى عربيًا في نمو الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
المغزى هنا يتجاوز التكنولوجيا، الدولة التي بنت جزءا كبيرًا من قوتها خلال القرن العشرين على الطاقة، تريد أن يكون لها موقع في اقتصاد القرن الحادي والعشرين القائم على البيانات والخوارزميات والمعرفة.
وهذا انتقال إستراتيجي بالغ الأهمية، لأن الدول التي ستملك التكنولوجيا والمعرفة في العقود المقبلة لن تكون مجرد مستخدمين للمنتجات التي يصنعها الآخرون، بل ستكون قادرة على التأثير في قواعد اللعبة نفسها.
ولذلك فإن استضافة الرياض للمنتديات الدولية الكبرى في الذكاء الاصطناعي، ومنها المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واستعدادها لاستضافة القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في سبتمبر 2026، يعكسان رغبة في أن تكون المملكة حاضرة ليس فقط في سوق التكنولوجيا، وإنما أيضًا في النقاش العالمي حول مستقبلها وقواعدها وأخلاقياتها.
أما على المستوى الدبلوماسي، فثمة تحول لا يقل أهمية، إذ لم تعد السعودية تتعامل مع علاقاتها الدولية وفق ثنائية «مع هذا الطرف أو ذاك»، وإنما تتحرك في عالم متعدد الأقطاب بمنطق أكثر براغماتية، محافظًا على تحالفاتها الأساسية، ومنفتحا، في الوقت نفسه على شراكات اقتصادية وسياسية مع قوى مختلفة.
وقد وصفت دراسة حديثة لـ»تشاتام هاوس»، هذا المسار بأنه محاولة سعودية لإدارة عالم متعدد الأقطاب، عبر تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الإستراتيجية، مع الحفاظ على العلاقة الأمنية مع واشنطن وتوسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع قوى أخرى، خصوصًا الصين.
والأهم أن الرياض بدأت تقدم نفسها بصورة متزايدة كـفاعل دبلوماسي قادر على جمع الخصوم حول طاولة واحدة، كاستضافة المحادثات الروسية - الأميركية، والمحادثات المتعلقة بأوكرانيا، فضلًا عن أدوار الوساطة والتحرك في ملفات إقليمية، كلها مؤشرات على أن السعودية تريد أن تكون أكثر من دولة ذات وزن اقتصادي، تريد أن تكون مكانًا تُدار فيه الأزمات، وتُصنع فيه التفاهمات، وتُختبر فيه إمكانات التسويات. وقد رأت «تشاتام هاوس»، في استضافة محادثات أوكرانيا تحولًا في مكانة الرياض بوصفها لاعبا دبلوماسيا دوليًا متزايد الحضور.