في عام 1999، وفي أول سنة من حياتي العملية، عملتُ في دار ميريت للنشر والتوزيع، وقبل أن يبدأ حبي للكتب وإنتاجها وطباعتها التحقت بقسم يختص بتجهيز ملفات صحفية تخص موضوعات قديمة أو حديثة، وكان عملي مركزًا على المساعدة في إعداد الملفات الصحفية، كخدمة كانت تقدمها «ميريت» في ذلك الوقت للباحثين والصحفيين. بدأت هذا العمل وأنا محمل بإعجاب كبير تجاه رواية «ذات» للكاتب الكبير صنع الله إبراهيم، وهي بذرة حبي ومنشأ علاقتي بالأرشيف، أسرتني فكرة أن نمسك حادث أو فكرة، ثم نتتبعها إلى آخرها، ونعيد قراءتها من وجهات نظر مختلفة. «ذات» جعلتني أفكر في الأرشيف ككرة ثلج، من الممكن أن نزيد في حجمها، ونستثمر فيها، نقطة نبدأ منها، بصرف النظر عن صحتها أو أهميتها، لكن تتبعها يخلق القصة، ويكبّر الحكاية، ويصنع الحدوتة والرواية الكاملة. وهذا ما بدأت في تطبيقه في عملي خلال إعداد ملفات «ميريت» الصحفية، أقرأ الموضوع الواحد من وجهة نظر الحكومة والمعارضة، ومختلف التوجهات، مهتمًا بفهم القصة كاملة، من جميع وجهات النظر، أكثر من اهتمامي بالوصول للحقيقة الكاملة. هكذا تعرفت على «دوريات» دار الكتب، وقضيت في قاعتها عامين أو أكثر، أُعدّ ملفات منها على سبيل المثال مجلدات عن أم كلثوم، وقت طويل قضيته في قاعة الدوريات، وتزامن ذلك مع الطفرة التكنولوجية فبدأت أفكر في تقنية تقدم بديلًا حديثًا لهذه القاعة، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس «دعم لتقنية المعلومات»، وبالفعل في 2006 أسسنا موقع «دفترخانة» لأرشفة المواد الصحفية، والذي تعرض في 2012 لهجمة سيبرانية قوية، كان يحوي قبلها أكثر من 750 ألف وثيقة، في أكثر من 400 تصنيف في مختلف الموضوعات المرتبطة بالصحافة المصرية. في 2010 بدأت أولى محاولاتي لإنشاء دار نشر للأطفال واقترحنا لها اسم «حواديت»، ثم بدأت ثورة يناير وما تبعها من أحداث فتوقف كل شيء. في 2013، عُدنا للتفكير مرة أخرى مع علي شعث في إنشاء دار مُهتمة بأدب الأطفال على خُطى ونهج دار «الفتى العربي»، وكنت مَن الذين تربوا على إصدارات «الفتى العربي»، ومن ضمن الأفكار التي ناقشتها مع علي شعث في ذلك العام، 2013، أن نعيد نشر وتقديم هذه الإصدارات التي تمثل أفضل إجابة لسؤال كيف يمكن أن تقدم هذه القضية للأطفال بكل ما تحمله من صعوبة وقسوة بشكل مناسب. ولكن علي وافته المنية في العام نفسه قبل اكتمال الخطة. كنتُ دائمًا أرى أن الحقيقة أصعب وأمَرّ من أي طريقة لتجميلها، الحرب تعني أسلحة ومقاومة وضحايا، ولابد أن نتعلم عن القضية بشكلها الحقيقي، كما هي. وفي 2017 قررت إنشاء حساب على موقع «أرشيف»، وهو موقع عالمي للأرشيف، ثم فعّلت حسابًا لنشر قصص وإصدارات «الفتى العربي» وساعدتني في الحصول عليها علاقتي بالمصورة والفنانة راندا شعث، ورفعت عليه أكثر من 80 قصة. كنت مهتمًا ومتابعًا لتراث أدب الأطفال ودائمًا ما أسمع عن مجلة «كروان»، وعن كتابات الكاتب الكبير يحيى الطاهر عبد الله للأطفال، بل كنت دائم البحث عنها بالذات. ثالث مرة، في 2018 حاولت تأسيس دار نشر للأطفال، لكنها لم تكن «تابتة»، بل تعطلت لظروف شخصية. في 2020، حاولت للمرة الرابعة فهاجمتنا جائحة كورونا، وبعدها نجحنا في 2022 في تأسيس دار «مرح»، والتي لم تغفل خط «حلاوة زمان» المُهتم بإعادة نشر أدبيات الأطفال من الأرشيف. *** حين عرفت أن يحيى الطاهر عبد الله كتب قصصًا للأطفال، وأنا من محبي أدبه، قابلت ابنته أسماء وتحدثت معها عن ذلك، قلت لها: «فيه أسطورة بتقول إن بابا كتب للأطفال»، فردت: «أنا كمان بحب الأسطورة دي»، وحكت لي أنها مثلي عرفت أن معظم الرسامين رسموا له قصص الأطفال، ولكنها لم تجد أو تطلع على أي منها. فقررت البحث عنها، ذهبت إلى دار الهلال للبحث، واكتشفتُ أعماله في منتصف الستينيات، مع أعمال مجموعة كبيرة من الكُتّاب المحبوبين لي بشكل شخصي ممن كتبوا للكبار والصغار، مثل سيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وعبد الرحيم منصور وزين العابدين فؤاد، ورسامين كبار مثل محي الدين اللباد وبهجت عثمان وعدلي رزق الله كنت أعرف أن لهم علاقة بالرسم للأطفال، وظننت أن إنتاجهم للأطفال بدأ مع «الفتى العربي». بحثت بنفس التكنيك الذي تعلمته من الأرشيف، أن هناك نقطة بداية أو كرة ثلج، اعتبرت أن منتصف الستينيات هي نقطة البداية لتكوين أرشيف أدب الأطفال، وبدأت في البحث والاستكشاف. عندما عرفت أن «سمير» نشرت كتابات ورسوم معظم كبار الكُتّاب والرسامين، قررت اعتبار هذا طرف الخيط، وأن أمشي وراء هذه الحدوتة مُركزًا بحثي على تاريخ أدب الأطفال من 1964 إلى 1972، وانبهرت بثراء التجربة، وقررت أن أنشر على صفحتي الشخصية على «فيسبوك» أجزاءً من هذا الأرشيف، وأسميت تلك الفترة «الفترة المدهشة»، وخلال بحثي فيها ظهر اسم محجوب عمر، وهو مؤلف للعديد من القصص لم أكن أعرف عنه سوى أنه مصري، ثم عرفت فيما بعد عن انخراطه في المقاومة الفلسطينية في الستينيات، انضمامه لحركة فتح، حتى وجدت موقعًا إلكترونيًا يضم كل أعماله الفكرية المكتوبة، والتي نشر جزءًا منها في «الفتى العربي»، وكذلك الأغاني التي ألّفها للأطفال. وجدت حكايات وأشعار وكوميكس لمحجوب عمر في مجلتي «كروان» عام 1964، و«سمير»، في الفترة من 1966 لـ 1972، لكنها أعمال منشورة باسمه الأصلي، رؤوف نظمي، قبل أن يستخدم اسم محجوب عمر، نقدمها لكم جميعًا في الصور الآتية، معنونة ومزينة باسمه الأصلي: جيل الثورة، «كروان»، 22 يوليو 1964. تأليف: رؤوف نظمي، رسوم: محمد سليم قالب السكر العجيب، «سمير»، 16 يوليو 1967. بالتوازي مع نشر مقتطفات أرشيفية لتراث أدب الأطفال على صفحتي الشخصية، خصصنا خطًا للنشر في «مرح» تحت اسم «حلاوة زمان»، نعيد من خلاله نشر أجزاء من الكنوز المدهشة لأدب الأطفال في فترة الستينيات والسبعينيات، ونجحت في إعادة نشر «مذكرات أرنب الغابة» للكاتب الكبير يحيى الطاهر عبد الله، والتي نشرت قديمًا في مجلة «سمير»، وغيرها من الإصدارات. سمير، 20 أغسطس 1967 أثناء بحثي في أعمال «الفترة المدهشة»، وجدتُ في مذكرات عدلي رزق الله «الوصول إلى البداية» حكايات عن «شقة العجوزة» والتي كان من مؤسسيها محمد جاد الرب، وسيد خميس، الذي حكى لي عنها خلال فترة عملي في «ميريت»، وكيف أثرت كملتقى أدبي وثقافي في وجدان وتجربة جيل الستينيات الذين كتبوا للكبار والصغار. الإبرة والغربال، «سمير»، 8 أكتوبر 1967 حكى لي أبي أيضًا عن الشقة التي كان يذهب إليها مع «عمك محمد جاد الرب، وقابلتُ فيها شعراء وكُتّاب ورسامين وفنانين، إلى أن اقتحمتها مباحث أمن الدولة يومًا ما وألقت القبض على مجموعة كبيرة منهم». توقف أبي عن الذهاب إلى «شقة العجوزة»، لكنها ظلت دائمًا في وجدانه وحكاياته، بل ظل يحكي عن «عمك محمد جاد الرب»، الذي قابلته أنا بعدها في التسعينيات، وتحدثنا عن الثقافة والأدب والسياسة. حوار طويل لم أكن أتخيل أن أتقاطع معه من جديد بينما أبحث بشغف في أرشيف أدب الأطفال. هكذا جرت حياتي مع الأرشيف، بدأت مع كتب «الفتى العربي»، وحكايات «شقة العجوزة»، لأكتشف أن كل ما سمعتُ عنه هو في الحقيقة أكبر ويكبر مثلما تكبر كرة الثلج. تتبعتُ حواديت وأشعار ورسوم «الفترة المُدهشة» حتى أحكي عن المدهشين الذين أنتجوا بخيالهم الطازج أعمالًا مُنحازة وعابرة للسنين بل صالحة لكل الأعمار، «من سن 0 إلى سن 99 سنة»، وفي «مرح» نشرنا بوري فؤاد حداد الحكيم جدًا جدًا، وأرنب غابة يحيى الطاهر عبد الله. ثم أطلقنا، أنا ومجموعة من الأصدقاء صفحة «حلاوة زمان» حتى نوثق ونحفظ هذه النصوص والرسومات ليندهش معنا الجميع. «سمير»، 29 أكتوبر 1967The post من «الفترة المُدهشة» نقدم لكم رؤوف نظمي أو محجوب عمر first appeared on Mada Masr.