من الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الذكاء الاصطناعي… أين تتجه الاستثمارات لبناء اقتصادات أكثر مرونة؟

تشير تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية ومن بينها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إلى أن خريطة الاستثمار العالمية تغيرت بصورة لافتة خلال السنوات القليلة الماضية. فبعد أن كان التركيز ينصب على تعظيم العائد المالي أو خفض تكاليف الإنتاج، أصبحت الأولوية تتجه إلى الاستثمارات التي تعزز قدرة الاقتصادات على التكيف مع المتغيرات العالمية والحفاظ على استدامة النمو.**media[8099088]**ويشكل «منتدى الشارقة للاستثمار 2026» الذي ينعقد هذا العام في أكتوبر المقبل تحت شعار «بناء اقتصادات مرنة» منصةً ولقاءً إقليمياً وعالمياً بارزاً لقراءة هذه التحولات وتحديد توجهات الاستثمار المستقبلية. إذ تؤكد التقارير الدولية الحديثة أن أولويات الاستثمار العالمي تتجه بصورة متزايدة نحو الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، ورأس المال البشري، والبحث والتطوير، باعتبارها المحركات الرئيسية لتعزيز المرونة الاقتصادية.كما توضح التقارير أن الاستثمارات العالمية في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد ارتفعت من نحو 109 مليارات دولار في عام 2020 إلى نحو 576 مليار دولار في عام 2025، بينما تضاعف الاستثمار الحقيقي في البرمجيات ثلاث مرات منذ عام 2008، وارتفع الاستثمار في تقنيات المعلومات والاتصالات بنحو 100%، وفي البحث والتطوير بنحو 45% في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.رؤية بعيدة المدىوتنسجم دولة الإمارات العربية المتحدة مع هذا التحول العالمي من خلال رؤية اقتصادية بعيدة المدى تترجم عبر منظومة من الاستراتيجيات الوطنية، في مقدمتها «مشروع 300 مليار» الذي يستهدف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 133 مليار درهم إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031، إلى جانب الأجندة الوطنية لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة 2031، التي تستهدف ترسيخ مكانة الإمارات موطناً لريادة الأعمال، ومضاعفة عدد الشركات الناشئة إلى مليون شركة، واحتضان 10 شركات مليارية.**media[8099089]**وتتكامل هذه الجهود مع استراتيجيات الذكاء الاصطناعي 2031، والاقتصاد الرقمي، والأمن الغذائي 2051، واستراتيجية الحياد المناخي 2050، بما يعزز الاستثمار في ترسيخ اقتصاد أكثر مرونةً وإنتاجيةً وتنافسية واستعداداً لمتطلبات المستقبل.منظومة استثمارية متكاملة تترجم الشارقة التحولات الاقتصادية العالمية إلى منظومة استثمارية مرنة ومتنوعة قادرة على استقطاب الاستثمارات النوعية وتحويلها إلى قيمة مستدامة، مستندةً في ذلك إلى بنية اقتصادية متكاملة تضم أكثر من 21 منطقة صناعية، و7 مناطق حرة، وأكثر من 2800 مصنع.وتركز الإمارة على جعل قطاعاتها الإنتاجية والتكنولوجية محركات رئيسية لبناء اقتصاد حيوي طويل الأمد؛ إذ تتركز 66% من مشاريع التقنيات الرقمية في الشارقة ضمن مجالات الذكاء الاصطناعي، مدعومة ببنية تحتية متطورة للحوسبة الفائقة وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة والاستدامة يوفرها مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار (SPARK) لتمكين الشركات من تطوير واختبار أفكارها. وفي الوقت ذاته، يقود القطاع الصناعي هذا التطور المتقدم عبر دمج أحدث التقنيات الروبوتات والطباعة الثلاثية الأبعاد، ليرتفع معدل نمو مشاريع التصنيع بنسبة 18.6% سنوياً خلال الفترة 2021-2025.**media[8099090]**وتأكيداً لنجاح الإمارة في مواكبة المتغيرات وتعزيز تنافسيتها، استقطبت الشارقة خلال عام 2025 نحو 142 مشروعاً جديداً للاستثمار الأجنبي المباشر (بنمو بلغ 45%) أسهمت في توفير 5673 فرصة عمل، وكان من بينها 31 مشروعاً صناعياً جديداً، بما يؤكد نجاح الإمارة في استقطاب الاستثمارات التي تدعم التنويع الاقتصادي، وتعزز تنافسية القطاعات الإنتاجية، وترسخ جاهزية الاقتصاد لمواكبة التحولات العالمية.الاستثمارات والتحولاتويقول محمد جمعة المشرخ، المدير التنفيذي لمكتب الشارقة للاستثمار الأجنبي المباشر «استثمر في الشارقة»: «أصبحت القرارات الاستثمارية أكثر ارتباطاً بالتحولات العالمية من أي وقت مضى. واليوم لا يكفي أن تمتلك الأسواق بنية تحتية متطورة أو تشريعات جاذبة، بل يجب أن تكون قادرة على مواكبة احتياجات القطاعات التي ستقود الاقتصاد خلال العقد المقبل. ولهذا نركز على استقطاب الاستثمارات التي تنسجم مع الاتجاهات العالمية الطويلة الأجل، فإذا أردنا اقتصاداً أكثر مرونة غداً، فعلينا أن نعيد توجيه استثماراتنا اليوم».ويضيف المشرخ: «تمتلك دولة الإمارات مقومات جعلتها شريكاً مفضلاً للاستثمارات الطويلة الأجل، بفضل استقرار بيئة الأعمال، ووضوح الرؤى الاقتصادية، وسرعة تطوير التشريعات، وارتفاع مستويات الترابط مع الأسواق العالمية. وفي الشارقة نركز على توفير منظومة متكاملة تساعد المستثمر على الانطلاق من الإمارة نحو الأسواق الإقليمية والعالمية، وتحويل المشروع إلى قصة نمو طويلة الأجل».وتُعد التحولات العالمية الراهنة، وما يصاحبها من تغير في أولويات الاستثمار الدولي، نقطة تحول مفصلية في فلسفة التنمية الاقتصادية. ولم يعد التحدي الحقيقي يتمثل في جذب مزيد من الاستثمارات، وإنما في بناء شراكات قادرة على توجيهها نحو القطاعات التي سترسم ملامح الاقتصاد خلال العقود المقبلة.**media[8099091]**