.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
بدأت ملامح الدور الروسي على الساحل السوري تتضح مع وصول قافلة إمداد إلى طرطوس وزيارة قيادة الجيش السوري مطار حميميم. فالمنشآت التي قدّمتها دمشق عقب اتفاق 9 آب/أغسطس باعتبارها مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، تحتفظ بوظيفة لوجستية تعوّل عليها موسكو لإدامة وجودها العسكري وربطه بامتداده الأفريقي.في 7 أيلول/سبتمبر، وصلت أربع سفن روسية إلى طرطوس في أول مهمة إمداد للمنشآت التي تستخدمها روسيا على الساحل منذ الاتفاق. وبعد تسعة أيام، زار رئيس هيئة الأركان السورية اللواء علي النعسان مطار حميميم، برفقة قائدي القوى الجوية والبحرية، وعقد اجتماعات مع القادة العسكريين الروس الموجودين فيه. وتقدّم الخطوتان مؤشرات عملية إلى كيفية تشغيل الموقعين في إطار الترتيب الجديد.
ظهر التفاوت بين التوصيفين السوري والروسي للاتفاق منذ إعلانه. ففيما ركّزت دمشق على التدريب والتأهيل، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في 20 آب إن المذكرة تنظّم عمل "مراكز تدريب ولوجستيات مشتركة"، واعتبرتها خطوة لتطوير التعاون العسكري بين البلدين في الظروف الجديدة.واتخذ الجانب اللوجستي شكلاً ملموساً مع وصول القافلة التي تتبعتها "رويترز"، وضمت سفينة الشحن "سبارتا"، وسفينة الإمداد البحري "أكاديميك باشين"، والناقلة "جنرال سكوبيليف"، والمدمرة "أدميرال ليفتشينكو". وقال مصدر عسكري سوري ورجل أعمال روسي-سوري للوكالة إن "سبارتا" أفرغت إمدادات بينها ذخائر مخصصة لطرطوس وحميميم. وأكدت صور الأقمار الصناعية وشهادات ميدانية وجود السفن في طرطوس، فيما تعذّر على الوكالة التحقق مستقلاً من طبيعة الحمولة.وتكمن أهمية العملية في توقيتها، بوصفها الأولى بعد الاتفاق. فاستمرار الإمداد العسكري بحراً يوضح جانباً من الاستخدام الروسي للمنشأتين، بعدما أعادت المذكرة تنظيم عملهما تحت الصيغة المشتركة.
إحدى السفن الروسية التي نقلت إمدادات إلى المنشآت العسكرية على الساحل السوري، داخل مرفأ طرطوس، 9 أيلول/سبتمبر 2026. (رويترز)
تساعد القراءات الروسية للاتفاق في تفسير أهمية هذا الاستخدام بالنسبة إلى موسكو. فقد رأت صحيفة "فزغلياد" أن حميميم ستستمر محطة عبور لنقل الشحنات والمعدات والأفراد المرتبطين بالوجود الروسي في أفريقيا، بالتوازي مع تقلّص الوظائف القتالية التي أدّتها القاعدة خلال سنوات الحرب السورية.ونقلت "كوميرسانت" عن الباحث في المجلس الروسي للشؤون الدولية أنطون مارداسوف أن المهمة الروسية الأساسية هي مواصلة استخدام مطار حميميم محطة ترانزيت في الطريق إلى أفريقيا، وتأمين ظروف لوجود طويل الأمد. وأضاف أن المشاركة في تدريب الجيش السوري الجديد تسمح لموسكو أيضاً بالبقاء على صلة مباشرة بالمؤسسة العسكرية السورية وموازنة النفوذ التركي داخلها.وفق هذه القراءة، ترتبط قيمة حميميم بالنسبة إلى موسكو بقدرتها على خدمة عمليات تتجاوز الأراضي السورية. فالمطار يمكن أن يواصل تأمين حركة الأفراد والمعدات نحو ليبيا ودول أفريقية أخرى، فيما توفّر طرطوس منفذاً بحرياً لإمداد الوجود الروسي على الساحل. وبذلك، يمنح الاحتفاظ بالموقعين موسكو أدوات للحركة في البحر المتوسط وأفريقيا، حتى مع انحسار دورها القتالي داخل سوريا.ويضيف التدريب مصلحة أخرى إلى الحسابات الروسية. فالمشاركة في تأهيل الجيش السوري تتيح علاقة مستمرة مع ضباطه ومؤسساته، وتحافظ على قناة نفوذ عسكرية في مرحلة إعادة بناء هذه المؤسسة وتشكّل شراكاتها الخارجية.
على الجانب السوري، تبرز تركيبة الوفد الذي زار حميميم. فقد رافق النعسان قائد القوى الجوية العميد عاصم الهواري وقائد القوى البحرية العميد محمد السعود. وذكرت وكالة "سانا" أن الوفد عقد سلسلة اجتماعات ومباحثات مع القادة العسكريين الروس في المطار، في إطار "التواصل والتنسيق بين الجانبين".جمع الوفد بذلك قائدي الفرعين المرتبطين مباشرة بالموقعين اللذين أعاد الاتفاق تنظيم عملهما، الجوية في حميميم والبحرية في طرطوس. ويمنح حضورهما الزيارة بُعداً مؤسسياً، مع دخول قيادة الجيش السوري في تنسيق مباشر مع الجانب الروسي بعد أيام من وصول الإمدادات بحراً.ومع ذلك، يبقى تحديد صلاحيات الطرفين وحدود استخدام المنشأتين مرتبطاً ببنود الاتفاق وآليات تنفيذه. فوصول السفن يثبت استمرار الإمداد، وزيارة الوفد تؤكد التواصل العسكري، فيما يحتاج تقدير حجم التغيير في السيطرة والإدارة إلى تفاصيل أوسع من تلك التي توفرها الخطوتان.وتشير بداية التنفيذ إلى تمسّك موسكو بوظيفتين متداخلتين، إسناد وجودها على الساحل السوري، والحفاظ على محطة تخدم تحرّكاتها الخارجية. أما دمشق، فتدخل هذه العلاقة عبر مؤسستها العسكرية الجديدة، ويبقى مدى قدرتها على تنظيم الاستخدام الروسي للموقعين أحد العناصر الحاسمة في رسم التوازن بين الطرفين.