من الردع إلى الجاذبية صناعة نفوذ سعودي جديد

بين السلاح والطاقة والرقمنة والثقافة والاقتصاد، تبدو المملكة العربية السعودية، في عامها الوطني السادس والتسعين، أمام لحظة فارقة تعيد فيها تعريف مفهوم القوة ذاته، بحيث لا تعود القوة الناعمة نقيضًا للقوة الصلبة، بل امتدادًا طبيعيًا لها، في معادلة تجمع بين الردع والجاذبية، بين التصنيع والإبداع، لتصنع نموذجًا سعوديًا جديدًا في ممارسة النفوذ الدولي. فالمملكة لا تكتفي في هذه الذكرى بالاحتفاء بمسيرة توحيد استمرت قرابة قرن، بل تعلن عن نضج مشروع وطني يعيد تركيب أدوات نفوذها، عبر مزيج غير مسبوق من توطين الصناعات العسكرية، والريادة في الطاقة المتجددة والنووية، والاستثمار الجريء في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، دون التخلي عن أذرعها التقليدية في الرياضة والسياحة والإعلام والثقافة، بما يضع الرياض في موقع لاعب لا يكتفي بالتفاعل مع النظام الدولي، بل يسعى إلى صياغة قواعده.تسليح وتوطينلطالما ارتبطت القوة الناعمة بالابتعاد عن لغة السلاح، غير أن التجربة السعودية الراهنة تكسر هذه القاعدة التقليدية، إذ باتت صفقات التسليح الكبرى، وعلى رأسها المساعي للحصول على مقاتلات إف 35 الأمريكية، جزءًا من إستراتيجية أوسع لا تقتصر على التسلح بحد ذاته، بل تمتد إلى توطين الصناعات العسكرية داخل المملكة. فالرياض لا تسعى لشراء السلاح فقط، بل لامتلاك القدرة على تصنيعه، عبر ربط صفقات التسليح بشروط نقل التقنية والتصنيع المحلي، سواء بالتوطين الكلي أو الجزئي. هذا التوجه يعكس رؤية إستراتيجية تتجاوز حماية الأمن القومي إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، قادرة على استيعاب تقنيات الحروب الحديثة، من الطائرات المسيرة إلى أنظمة الدفاع الجوي والفضاء السيبراني، بما يخفف الاعتماد على الخارج ويحول القوة العسكرية إلى رافعة اقتصادية موازية.طاقة متجددةعلى الضفة الأخرى من معادلة النفوذ الجديد، تراهن المملكة على قطاع الطاقة بوصفه ساحة تنافس عالمية لا تقل أهمية عن ساحات السلاح والاقتصاد. فالاستثمارات الضخمة في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر لم تعد مجرد مشاريع بيئية، بل أدوات لإعادة تموضع المملكة في خريطة الطاقة العالمية بعد عصر النفط. مشاريع مثل نيوم وحقول الطاقة الشمسية العملاقة في الشمال والجنوب، تحول الرياض تدريجيًا إلى مصدر رئيسي للطاقة النظيفة، في وقت يتسارع فيه العالم نحو خفض الانبعاثات الكربونية. وفي موازاة ذلك، تمضي المملكة في برنامجها النووي السلمي، بما يشمل السعي نحو امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم محليًا، وهو ملف يحمل أبعادًا إستراتيجية تتجاوز توليد الكهرباء إلى ترسيخ موقع سعودي متقدم في معادلة الردع الإقليمي بعيدة المدى.ذكاء ورقمنةلا يقل الرهان الرقمي أهمية عن رهانات السلاح والطاقة، إذ تسعى المملكة بخطى متسارعة إلى تحويل نفسها إلى مركز إقليمي وعالمي للبيانات والذكاء الاصطناعي. فالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، والشراكات مع كبرى شركات التقنية العالمية، تضع الرياض في مصاف الدول التي تدرك أن معركة النفوذ المستقبلية ستحسم بامتلاك البنية التحتية الرقمية والقدرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات. هذا التوجه ينسجم مع رؤية 2030 التي جعلت من التحول الرقمي أحد أعمدتها الأساسية، ويمنح المملكة أوراق ضغط ناعمة جديدة في علاقاتها مع القوى الكبرى، التي باتت تتنافس على استقطاب الرياض كشريك تقني لا مجرد سوق استهلاكية.ثقافة ورياضةفي موازاة هذا التحول الصلب نسبيًا، تواصل المملكة تعزيز أدواتها التقليدية في القوة الناعمة، عبر استثمارات لافتة في قطاعات الثقافة والرياضة والسياحة والإعلام. فاستضافة الفعاليات الرياضية الكبرى، والاستثمار في كرة القدم والرياضات الترفيهية، ومشاريع السياحة الضخمة من البحر الأحمر إلى العلا، تعمل جميعها على إعادة تشكيل الصورة الذهنية عن المملكة عالميًا، بعيدًا عن الصورة النمطية القديمة. كما يشكل الإعلام السعودي، بمنصاته المتنوعة وانتشاره الإقليمي، رافعة إضافية لتسويق هذا الخطاب الجديد، الذي يقدم المملكة كدولة منفتحة على العالم، تحتفظ بهويتها وثوابتها في الوقت ذاته الذي تنخرط فيه بعمق في منظومة الاقتصاد والثقافة العالمية.اقتصاد ومشروعاتيبقى العامل الاقتصادي الإطار الجامع لكل هذه الأدوات، إذ توظف المملكة برامج التحول الاقتصادي والمشروعات العملاقة، من نيوم إلى القدية والبحر الأحمر، كواجهة لعرض قدرتها على تنفيذ مشاريع بحجم يفوق قدرات كثير من الدول المتقدمة. هذه المشروعات لا تخدم فقط أهداف التنويع الاقتصادي المحلي، بل تحولت إلى أداة دبلوماسية اقتصادية تجذب رؤوس الأموال والشركات والخبرات العالمية، وتمنح الرياض نفوذًا تفاوضيًا متزايدًا في المحافل الدولية، سواء في قمم مجموعة العشرين أو في مسارات التطبيع الإقليمي والتفاهمات الأمنية الكبرى.وهكذا، تكتمل صورة مملكة تعيد تركيب أدوات نفوذها في آن واحد، جامعة بين التصنيع والابتكار، بين الردع الإستراتيجي والجاذبية الثقافية، لتصوغ من هذه الذكرى الوطنية لحظة إعلان عن نموذج سعودي جديد في ممارسة النفوذ الدولي.