من الحرب الأهلية إلى حرب اليوم: ثلاثة أجيال لبنانية تعكس سيرة بلدٍ نازف

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

هكذا تنتقل ذاكرة الحروب في لبنان من جيل إلى آخر: من روايات الحرب الأهلية إلى تجارب حرب تموز ومعركة نهر البارد، وصولاً إلى حرب اليوم. ذكريات لا تُنسى، أصوات القذائف، والمستقبل المجهول.

ما عاشه الأجداد تكرّر مع الآباء، ليعيشه الأبناء اليوم بصورة مختلفة. تجارب لثلاثة أجيال اختبرت الحرب بطرق شتى، بين أحلام معلّقة وشعور دائم بانعدام الأمان، ومسؤولية ثقيلة في التمسك بالأرض والبقاء فيها.

تُركّز كتابات الباحث المجتمعي والكاتب عبدو القاعي على التحذير من هشاشة لبنان بوصفه بلداً نموذجياً مهدداً، لكونه كياناً متعدداً يشكّل مثالاً حيّاً لهذه التعددية. وفي حديثه إلى "النهار" يقول: "بلد فريد في تركيبته وتماسكه التاريخي، لكنه لم ينجح في تخطي رتابة الطائفية المتغلغلة فيه لبناء مجتمع تعددي حقيقي، ودولة تتجاوز واقع الطوائف الـ 18 التي يتكوّن منها".

مسار تفكك المجتمع بدأ منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، حين تحولت القضية الفلسطينية، التي كان يفترض أن توحد العالم العربي، إلى عامل إضافي في الانقسام الداخلي. ومنذ ذلك الحين، برأيه، يعيش لبنان موجات متتالية من تفكيك المجتمع وتحريك العصبيات الطائفية على حساب مفهوم المواطنة.

لطالما دعا الباحث إلى تحييد الطائفة وعدم الانجرار إلى العصبيات الدينية، حتى لا يتحول لبنان إلى بلد مركّب طائفياً بالكامل. ويوضح بأن "الولايات المتحدة أصبحت اليوم ذات تركيبة طائفية إلى حدّ ما، وكذلك أوروبا. فالعالم بات أكثر انجذاباً إلى هويته الدينية والطائفية من انشداده إلى تركيبته المجتمعية".

ويستذكر أنه "قبل نحو 25 عاماً، كنت أعمل على مشروع بعنوان "الطاقة وحروب الشرق الأوسط"، لكنه لم يُبصر النور، ولم تتح لي الفرصة لمتابعته".

اليوم، يرى القاعي أن الشرق الأوسط يتحول تدريجياً من "شعوب متفككة إلى طوائف، وأن خطورة الحرب الحالية تكمن في أن "الشعوب لم تعد تملك عافيتها، فيما تتصارع إمبراطوريات في ما بينها بهدف السيطرة على مصادر الطاقة".

تُوثّق هذه الصورة لحظة إجلاء خلال الحرب الأهلية اللبنانية في بيروت(صورة أرشيفية- النهار)

اختبر يوسف الحاج بطرس (58 عاماً) الحرب باكراً. لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة حين أدخله والده إلى الجيش حتى لا ينخرط في الأحزاب. يروي ذكريات ما زالت محفورة في ذاكرته "لا شيء يشبه صعوبة ما مررنا به خلال الحرب اللبنانية. القذائف كانت تسقط أمامنا وأحياناً على مسافات قريبة جداً".

كان شاباً في بداية حياته، لكن الخوف لم يكن حاضراً في يومياته. يعترف: "لم نكن نفكر في المخاطر لأننا ببساطة كنا في قلبها"، ومع ذلك كانت أصعب اللحظات عند عودته النادرة إلى المنزل "كنت أقول لنفسي ربما تكون هذه آخر مرة أعود فيها".

بالنسبة له "أصعب شي بس كنا نجي كل شهرين مرة على البيت، كنت فل وقول لحالي يمكن هيدي آخر مرة بجي". ولكن عندما تصبح في ساحة المعركة، تتلاشى كل الأفكار والهواجس ويبقى الهدف القتال وحده. كانت الحرب الأهلية أصعب ما يمكن أن يعيشه الإنسان، لذلك يرى أن كل الحروب التي تلت "تبقى أخف وطأة، كأنو شفنا كل شيء بهيديك الحرب وما عاد في شي ممكن يكون أصعب من يللي شفناه".

كانت الحواجز والمناطق محاصرة وربطة الخبز حلم "بدنا نوقف بالصف لنأخذها. كانت الظروف الأمنية والاجتماعية صعبة وقاسية، وصوت القصف والضرب كل الوقت".

من الحرب الأهلية إلى حرب تموز، حيث يتذكر يوسف أنه طُلب إليه التوجه إلى منطقة ضهر البيدر، حيث كانت آلية الجيش تمشي ووراها الجسور تنقصف تباعاً. يسترجع تلك الأيام قائلاً "بقينا شهراً في منطقة مشغرة بين الأحراج، نواصل القتال أيضاً".

وفي عام 2007، حيث خاض يوسف معركة نهر البارد، وكان في الخطوط الأمامية. صحيح أنها كانت معركة مختلفة، لكنها وفق قوله "لم تكن أشد قساوة من الحرب الأهلية. لم يهزّنا شيء سوى خسارة زملائي في أرض المعركة. كانت لحظات قاسية وصعبة".

من معركة نهر البارد إلى الحرب اليوم، ينظر يوسف إلى تاريخ لبنان ويتنهد. يعترف "هذا البلد شبع ويلات وحروب. لكل حرب ثقلها وتداعياتها. لقد شبعنا حروباً". يراقب اليوم تطورات الحرب، يعرف أنها ما زالت محدودة في بعض المناطق والقرى، لكنه لا يخفي هاجسه من "أن تنفلت الأمور ونصبح أمام سيناريو أسوأ وأخطر. الاحتمالات مفتوحة والخطر كبير".

قصة مشابهة يرويها جمال أبو نكد (مواليد 1968)، الذي عاش طفولته في الأشرفية ضمن عائلة درزية متعايشة مع جيرانها المسيحيين، قبل أن تغيّر الحرب كل شيء.

يشرح جمال "صحيح أنني من عائلة درزية، وكغيرنا من العائلات سكنا في الأشرفية، لكنه لم يكن هناك أي اعتبارات خاصة، وكنا نعيش في وئام وسلام".

لم تغادر العائلة المنطقة إلا عام 1982، عندما وصلها تهديد بإخلاء المنزل لأنه كان آخر منزل درزي في الحي. اضطرت العائلة إلى الانتقال سريعاً إلى الجبل، تاركة خلفها الحياة التي عرفتها. ويستعيد جمال ذكرياته قائلاً: "كنت أعمل متنقلاً، لكن مع الاجتياح تغيرت حياتي بالكامل. لم يكن سهلاً أن أترك منزلي والمنطقة التي ترعرعنا فيها. تركنا كل شيء: أعمالنا، مدارسنا، حياتنا، وأصحابنا. كانت الظروف صعبة جداً".

لم يكن للعائلة منزل في الجبل، فاضطروا إلى العيش مع أفراد العائلة الكبيرة. ويعترف جمال بأن تلك المرحلة كانت صعبة، بالنسبة إليه "كبرنا وسط الحرب والقتال". ويستعيد كيف كان يختبر التوقيفات على الحواجز أثناء تنقله لاستكمال تعليمه، أو يشهد أحياناً على اشتباكات تدور بالقرب منه، في ظل الفوضى الأمنية التي كانت سائدة آنذاك.

ويقول "ما إن خرجنا من أتون الحرب، حتى فرضت الوصاية السورية سيطرتها على لبنان، فوجدنا أنفسنا في واقع متأزم، حيث كان علينا دفع الديون المترتبة من الإسكان والضرائب المتكدسة. لم تكن هناك حرية سياسية حقيقية، وكانت حرية التعبير محدودة. ولم نختبر الانتعاش الاقتصادي إلا خلال فترة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ورغم أن الوضع الاقتصادي لم يكن في أفضل حالاته، فإنه كان أفضل بكثير مما نعيشه اليوم".

لم يكد جمال يتنفس الصعداء، حتى عادت الاغتيالات والأحداث الأمنية لتؤرق البلاد. يمكن القول إنه "لم يعش حياة طبيعية، ولم نتمكن من بناء المستقبل الذي حلمنا فيه".

أما عمر حرب، وهو رجل ستيني من بيروت، فيستعيد صورة مدينة مقسومة بين شرقية وغربية، وحياة يومية يطغى عليها القصف والحواجز. يؤكد أن "الحرب التي عشناها في تلك السنوات تختلف كلياً عمّا نراه اليوم. يومها كانت المدينة مقسومة بين شرقية وغربية، وكنا نعيش الحرب بكل وجوهها القاسية". يتذكر جيداً وفق ما يقول "كيف كنا نقطع إلى بيروت الشرقية لشراء ربطة خبز بعد انقطاعها في منطقتنا. لقد عشنا أياماً صعبة جداً على المعابر والحواجز".

كان عمر يعمل تحت القصف والقذائف التي كانت تسقط أمامه. يروي: "كنا نعيش كل يوم بيومه".

لم يكن عمر شاهداً على الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، فقد غادر البلاد قبل عشرة أيام من بدء الاجتياح. أما اليوم، فيرى عمر أن "هذه الحرب عبثية وتدميرية بامتياز. ما نعيشه مختلف كلياً من حيث الأهداف والممارسات. لكن الناس هي من تدفع الثمن مرة جديدة، بين التهجير وخسارة أرزاقها وبيوتها". ويختم بحسرة: "الله يعين الشعب… شو بعد بدو يتحمّل".