من الجائحة القادمة إلى الطاعون في روسيا.. هل يواجه العالم تهديدا وبائيا جديدا؟

بينما تتصاعد التحذيرات الدولية من جائحة جديدة قد تضرب العالم في أي وقت، جاءت واقعة وفاة عاملة في معهد متخصص بمكافحة الطاعون في مدينة إيركوتسك الروسية لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول مخاطر الفيروسات والبكتيريا والأمراض المعدية، ومدى استعداد العالم لمواجهة تهديد صحي جديد.

في سبتمبر الماضي، جدّد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، تحذيره من أن «الجائحة المقبلة ليست مسألة إذا، وإنما متى»، مؤكدًا أن تفشي الأمراض يمكن أن يبدأ في أي مكان وفي أي وقت، داعيًا الدول إلى تعزيز استعداداتها وعدم انتظار ظهور الخطر قبل التحرك.

أثارت وفاة موظفة شابة في معهد أبحاث متخصص في مكافحة الطاعون بمدينة إيركوتسك في سيبيريا مخاوف من احتمال التعرض لعدوى الطاعون الرئوي، بعدما تحدثت تقارير محلية عن تعرضها لحادث داخل المختبر، فيما وضعت السلطات الروسية عشرات الأشخاص ممن خالطوها تحت المراقبة الطبية، واتخذت إجراءات احترازية في عدد من المنشآت الصحية.

وبحسب التقارير المتداولة، توفيت داريا شيبيلوفا، البالغة من العمر 27 أو 28 عامًا، وهي فنية مختبر في معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون التابع لهيئة حماية حقوق المستهلك الروسية، في الثاني من أكتوبر الجاري، بعد إصابتها بالتهاب رئوي حاد ودخولها المستشفى في مدينة شيليخوف. وأفادت تقارير بأنها وُضعت على جهاز تنفس صناعي قبل وفاتها.

وأثارت الواقعة اهتمامًا واسعًا بعدما ذكرت تقارير إعلامية روسية أن شيبيلوفا أخبرت العاملين الطبيين بأنها كسرت بالخطأ أنبوب اختبار يحتوي على بكتيريا حية أثناء عملها في المختبر، وهو ما دفع إلى الاشتباه في إصابتها بالطاعون الرئوي.

والطاعون الرئوي هو أحد أشكال الإصابة ببكتيريا Yersinia pestis، ويمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي في حال الإصابة بهذا الشكل من المرض.

لكن هذه الرواية لم تؤكدها السلطات الروسية رسميًا، كما لم تثبت حتى الآن أن الأنبوب الذي قيل إنه انكسر كان يحتوي على العامل المسبب للطاعون، أو أن وفاة الموظفة ناجمة عن تعرض مهني له.

وفي أعقاب وفاة الموظفة، وضعت السلطات الصحية الروسية نحو 197 شخصًا ممن يُعتقد أنهم كانوا على اتصال بها تحت المراقبة الطبية، فيما أشارت تقارير إلى إدخال 189 منهم إلى المستشفيات، بينما بقي آخرون تحت المراقبة خارجها.

وقالت السلطات إن الأشخاص الذين جرى تحديدهم كمخالطين لم تظهر عليهم أعراض المرض، كما جاءت نتائج الفحوص المتاحة سلبية حتى الآن.

كما فُرضت إجراءات حجر صحي في مستشفى شيليخوف الذي تلقت فيه الموظفة العلاج، في إطار الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات لمتابعة المخالطين ومنع أي احتمال لانتقال العدوى.

وأدى تضارب التصريحات الأولية إلى زيادة الغموض حول ملابسات الوفاة.

قال أليكسي تسيجانوف، رئيس جمهورية بورياتيا المجاورة، إن المرأة توفيت «ربما بسبب الطاعون»، بينما كانت تصريحات إقليم إيركوتسك أكثر تحفظًا، وتحدثت عن إصابتها بـ«عدوى خطيرة بشكل خاص».

لكن هيئة Rospotrebnadzor الروسية، وهي الجهة المختصة بحماية الصحة العامة، أعلنت لاحقًا أن نتائج التحقيق لم تكشف عن وقوع حادث في معهد مكافحة الطاعون، وأن تشخيص الموظفة كان التهابًا رئويًا مجهول السبب، مشيرة إلى أن الفحوص الموسعة لعيناتها لم تكشف عن كائنات دقيقة مرتبطة بعملها المهني.

وأكدت الهيئة كذلك أن الوضع الوبائي في إيركوتسك وشيليخوف مستقر، ولم تُرصد إصابات مرتبطة بالطاعون بين المخالطين.

ورغم عدم تأكيد الإصابة بالطاعون، اتخذت السلطات إجراءات احترازية واسعة، شملت وضع المخالطين تحت المراقبة وفرض قيود في بعض المنشآت الطبية.

كما تحدثت تقارير عن فتح تحقيق بشأن احتمال وجود مخالفات تتعلق بقواعد السلامة الصحية والمهنية، في وقت دعت فيه السلطات المحلية السكان إلى عدم الذعر وانتظار نتائج التحقيقات والفحوص.

وأفادت تقارير دولية بأن البيت الأبيض يتابع القضية، في حين دعت جهات أمريكية إلى الحصول على معلومات دقيقة وشفافة من الجانب الروسي بشأن الواقعة.

حتى الآن، لا توجد معلومات رسمية تثبت تفشي الطاعون في روسيا أو وجود انتقال للمرض من إنسان إلى آخر في إيركوتسك.

وتؤكد التقارير أن هناك حالة وفاة واحدة قيد التحقيق، بينما يخضع المخالطون للمراقبة ولم تثبت إصابة أي منهم بالطاعون حتى الآن. كما أن الهيئة الصحية الروسية تنفي أن تكون الوفاة ناجمة عن العامل الممرض الذي كانت الموظفة تتعامل معه في عملها.

وفي المقابل، فإن مجرد الاشتباه في الطاعون الرئوي يفسر الإجراءات الاحترازية المشددة، نظرًا لأن هذا النوع من الطاعون يمكن أن ينتقل عبر الجهاز التنفسي، ويحتاج إلى تشخيص وعلاج سريع.

وامتدت متابعة الواقعة إلى دول مجاورة؛ إذ أعلنت وزارة الصحة الكازاخستانية أنها تراقب التطورات في إيركوتسك بعد وفاة الموظفة، مع تعزيز الرقابة الصحية على الحدود، لكنها قدرت خطر انتقال العدوى إلى كازاخستان بأنه منخفض، ولم تسجل حالات مشتبهًا بها عند نقاط العبور.

عاد مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس قبل شهر، إلى إطلاق تحذيرات قوية بشأن خطر تفشي أوبئة وجوائح جديدة، كان أحدثها في سبتمبر 2026، عندما أكد أن الجائحة المقبلة ليست مسألة «إذا»، وإنما «متى»، داعيًا دول العالم إلى عدم انتظار ظهور التهديد قبل التحرك والاستعداد له.

وتُظهر مراجعة تصريحاته خلال السنوات الماضية أن تحذيره لم يكن مرتبطًا بفيروس محدد أو بتوقع ظهور مرض بعينه في موعد معين، وإنما يدور بصورة أساسية حول حتمية ظهور جائحة جديدة مستقبلًا، وضرورة تعزيز استعدادات الدول لمواجهتها.

في أحدث تصريحاته وأكثرها وضوحًا، قال تيدروس خلال اجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الوقاية من الأوبئة والاستعداد لها والاستجابة لها، في نيويورك يوم 25 سبتمبر 2026، إن جائحة كورونا كانت أسوأ أزمة صحية عالمية خلال قرن، وأسفرت عن أكثر من 20 مليون وفاة زائدة وألحقت خسائر تجاوزت 10 تريليونات دولار بالاقتصاد العالمي.

وأضاف خلال مؤتمر صحفي في اليوم نفسه أن العالم تعلم «دروسًا مؤلمة» من جائحة كورونا، مؤكدًا:

وأشار تيدروس إلى أن تفشي الإيبولا المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية يمثل تذكيرًا بأن تفشي الأمراض يمكن أن يبدأ في أي مكان وفي أي وقت، وقد يتحول إلى تهديد للمجتمعات المحلية والدول المجاورة والعالم بأسره. كما استشهد بتفشي فيروس هانتا على متن السفينة MV Hondius باعتباره مثالًا على الحاجة إلى استجابة دولية للتهديدات الصحية الدولية.

وقبل تصريحات نيويورك بأيام، حذر تيدروس في 16 سبتمبر 2026 من استمرار خطورة تفشي الإيبولا في الكونغو الديمقراطية، رغم وجود مؤشرات مشجعة على انخفاض انتقال العدوى في بعض المناطق.

وقال:«لا تخطئوا، الوباء مستمر في النمو ويواصل حصد الأرواح».

وأوضح أن أكثر من 7200 حالة إصابة وأكثر من 3500 وفاة سجلت في سبع مقاطعات، مشيرًا إلى تسجيل نحو 300 حالة جديدة و160 وفاة في إيتوري خلال أسبوع واحد، فيما تضاعف تقريبًا عدد الحالات الأسبوعية في شمال كيفو خلال أسبوعين.