تطرَّق المساق السابق إلى عاصفة الرواية التي هبَّت بعد عام 2001 على عالمنا العربي، بما أثارته من زوابع هنا وهناك. وقد دهمتْ الساحات طافحةً بدوافع الفضح الاجتماعي. وكانت إرهاصاتها قد بدأت منذ فوز (نجيب محفوظ) بجائزة نوبل، 1988. وأشرنا إلى أنَّه بترسيخ اللَّهجات العاميَّة في بعض الروايات كان يكتمل سرد الضحالة: سُوقيَّة اللُّغة وانحطاط المضامين. قلتُ ل(ذي القُروح)، طيَّب الله قُروحه:
- يجب، في رأي بعض أولئك، إثبات أنَّ اللُّغة العَرَبيَّة ليست بلغةٍ مقدَّسة، كما يزعم الزاعمون، الذين لا بُدَّ أن يُخرَجوا من قريتنا الثقافيَّة لأنهم أناس يَتَطَهَّرُون، بل هي لغة مدنَّسة. إذ لا يمكنك صناعة (عجَّة/ شكشوكة) دون أن تكسر بيضًا، حسب مقولة (لينين)!
- القداسة، إذن، سُبَّة، والدَّنَس شَرَف، واستنارة، وحُريَّة، وحضارة! وحينما يقول هؤلاء إنَّ العَرَبيَّة ليست بمقدَّسة، لا يعون أنهم يعترفون تلقائيًّا أنهم يَعدُّون الجنس دنسًا، وبضِدِّ القداسة.
- ولم يكن العَرَب، ولا الإسلام، ينظران إلى (الجنس) بأنه رذيلة أو دَنَسًا، إلَّا إنْ كان محرَّمًا.
- صحيح! حتى إنك لتجد اللُّغة الحِسِّيَّة منبثَّةً في اللِّسان العَرَبي قديمًا، على نحوٍ قد تنبو عنه أذواق المعاصرين. بل سترى المجازات في ذلك تقتحم على البلاغيِّين عباراتهم كثيرًا.
- خُذْ مثالًا من قول (عبدالقاهر الجرجاني)، في مقدِّمة كتابه «شرح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»(1)، ومخاطبته ذلك الذي رَغِب إليه في كتابة الشرح: «وأبديتَ لي صفحة عنايتك بتصوُّر معانيه، وافتراع أبكاره»! وكان بوسعه أن يستبدل بعبارة «افتراع أبكاره» هذه تعبيرات أخرى كثيرة، لولا أنَّ الخيال الحِسِّي يخامر المتحدِّث والكاتب، ولاسيما في سياق الحديث عن اللُّغة والأدب، ممَّا قد ينعته النقد الثقافي الحديث بنزعةٍ ذكوريَّة لدَى المؤلِّف.
- على أنَّ هذا كان يصل إلى مستوًى تمجُّه الذائقة السليمة، قديمة أو حديثة.
- حدِّث، إذن، ولا حرج! ولا حياء في العِلْم!
- انظر، مثلًا، إلى بائيَّة (أبي تمَّام) المشهورة في مديح (المعتصم) لفتحه (عمُّوريَّة)، وكيف كانت تُلِحُّ على ذهن الشاعر الكهرباء الجنسيَّة العدوانيَّة إلحاحًا مقزِّزًا؛ حين يصف لك الفاتحين وكأنهم، مع الأسف، قطعان من الحُمُر المستنفرة، لا من البَشَر، ولا من المسلمين. وهذه أقبح صورة للثقافة العَرَبيَّة والإسلاميَّة دشَّنها أبو تمَّامنا منذ العصر العباسي، وظلَّ العَرَب والمسلمون يتغنَّون بها عبر العصور، ويحفِّظونها أطفالهم:
أُمٌّ لَهُمْ لَو رَجَوا أَنْ تُفتَدَى جَعَلوا
وبَرْزَةُ الوَجْهِ قَد أَعيَتْ رِياضَتُها
كِسْرَى وصَدَّتْ صُدُوْدًا عَن أَبي كَرِبِ
لَم تَطْلُعِ الشَّمسُ فيهِ يَومَ ذاكَ عَلى
ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعمُورًا يُطِيفُ بِهِ
غَيلانُ أَبهَى رُبًى مِن رَبعِها الخَرِبِ
أَشهَى إِلى ناظِرٍ مِن خَدِّها التَّرِبِ
لَبَّيتَ صَوتًا زِبَطْرِيًّا هَرَقْتَ لَهُ
كَأسَ الكَرَى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ
عَداكَ حَرُّ الثُّغُورِ المُستَضامَةِ عَن
بَرْدِ الثُّغُورِ وعَن سَلْسالِها الحَصِبِ
كَمْ نِيْلَ تَحتَ سَناها مِن سَنا قَمَرٍ
كَمْ كانَ في قَطْعِ أَسْبابِ الرِّقابِ بِها
كَمْ أَحرَزَتْ قُضُبُ الهِندِيِّ مُصْلَتَةً
بِيْضٌ إِذا انتُضِيَتْ مِن حُجْبِها رَجَعَتْ
أَحَقَّ بِالبِيضِ أَترابًا مِنَ الحُجُبِ(2)
- كم.. وكم.. وكم... ما كلُّ هذا؟ وكيف لا نقرأه ولا نراه؟
- إنَّه العَمَى الأيديولوجي والثقافي! على أنَّ كلَّ هذا السُّعار في وصف (حرب)، فكيف لو حُذِفت الراء؟!
- وهكذا ما ينفكُّ يخامر الشاعرَ الخيالُ الحِسِّي في كلِّ تفاصيل ذلك الفتح، وكأنه فتحٌ من نوعٍ آخَر. وكانت فكرة السَّبْي، وانتهاك أعراض النِّساء، تُلِحَّان على ذهن (أبي تمَّام)، «المريض بثقافته»، حتى لا يكاد يذكر الحرب إلَّا وتقفز بغريزته إلى المرأة والشهوات البذيئة، منوِّهًا بما يمكن أن يكون من مكاسب الممدوح في النيل من أعراض خصومه. كما يقول من قصيدة أخرى:
مِنَ المَطَرِيِّينَ الأُلَى لَيسَ يَنجَلي
وما اجتُلِيَتْ بِكْرٌ مِنَ الحَربِ ناهِدٌ
جُعِلْتَ نِظامَ المَكرُماتِ فَلَم تَدُرْ
رَحَى سُؤْدُدٍ إلَّا وأَنتَ لَها قُطْبُ(3)
- يا له من نظام مكرمات، ومن رحًى سُؤدد، هو قطبها!
- والحقُّ أن دافع الشعراء العباسيِّين إلى الشِّعر كان في الأساس نفاق السلاطين والتكسُّب. إذ كان ناشئ الفتيان في ذلك العصر يكُدُّ نفسه كَدًّا ليرتزق. ومن وجوه الارتزاق أن يكون شاعر بلاط، أو كاتبًا ديوانيًّا. فالشِّعر كان مصدر رزقٍ لا يستهان به، وكان هذا مهوى أفئدة الفتيان قبل أيِّ شيءٍ، ولا سيما من الطبقات الفقيرة، ك(أبي تمَّام)، و(أبي الطيِّب)، وسائر العصبة الشِّعريَّة العبَّاسيَّة. يُفلِح بعضهم، ولكن يبقى الغثاء أكثر!
- الكارثة أن ذلك الغثاء يتحوَّل إلى تُراثٍ مبجَّل، وإلى تعليم أجيال، وإعلام أُمَّة!
- نعود إلى القول إنَّ ذاك النزوع الغريزي كان يخامر (أبا تمَّام) في تصوير حالات السِّلم والحرب على السَّواء. حتى إنَّ قوافيه نفسها، كما يباهي بهذا، تستحيل إلى عذارَى مبتذلة، لتلبية شهوات الممدوح ونزواته، «غير مدافَع»:
أَبا عُذْرِها لا ظُلْمَ ذاكَ ولا غَصْبُ(4)
وفي رواية: «كنتُ غَيرَ مُدافَعٍ». وعلى هذه الرواية يكون هو وممدوحه على مذهبٍ واحد من الذكوريَّة اللُّغويَّة!
- معنى هذا أنَّ (أبا نُوَاس)، الذي اشتهر بالتهتُّك والخمريَّات والغلمانيَّات، ليس بوحيد قرنه في ذلك العصر؟
- كلَّا، كلَّ ما في الأمر أنَّ (أبا نواس) جعل هذا غرضًا لشِعره. بل العصر العبَّاسي كلُّه بدا غارقًا في مجونه وسُعاره، لا نستقرئ ذلك تاريخيًّا فحسب، بل عبر وثائق النصوص أيضًا.