من الأسواق إلى ميناء المخا.. كيف يهدد تصعيد الحوثيين المدنيين والاقتصاد في الساحل الغربي؟

شهد الساحل الغربي خلال الساعات الماضية تصعيدًا جديدًا بعدما أطلقت ميليشيات الحوثيين 14 صاروخًا باليستيًا باتجاه مناطق في محافظتي تعز والحديدة، في هجوم يعكس استمرار استخدام القوة الصاروخية بعيدة المدى ضد مناطق تقع بالقرب من التجمعات السكانية والمنشآت المدنية.

وتكشف هذه التطورات عن جانب أخطر من الحرب اليمنية، يتمثل في انتقال آثار الصراع من الجبهات العسكرية إلى حياة المدنيين ومصادر رزقهم والخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها، الأمر الذي يجعل استمرار هذه الهجمات عاملًا إضافيًا في تعميق الأزمة الإنسانية داخل البلاد.

وتكمن خطورة التصعيد الحوثي الأخير في كثافة الهجمات وتكرارها خلال فترة زمنية قصيرة، إذ لم تقتصر الضربات على أهداف عسكرية معلنة، وإنما امتدت إلى محيط مدن ومناطق مأهولة، وفق المعلومات الواردة من المصادر المحلية.

وشهدت مدينة المخا في محافظة تعز ومدينة الخوخة في محافظة الحديدة انفجارات متتالية نتيجة القصف الصاروخي، بينما استهدف جزء من الهجمات مناطق تقع في ريف المخا وجنوب الخوخة.

ويعني استمرار هذا النوع من القصف أن المدنيين يعيشون في بيئة أمنية شديدة الخطورة، حيث يمكن للصواريخ بعيدة المدى أن تسقط بالقرب من المنازل والأسواق والمنشآت التي لا علاقة لها بالعمليات العسكرية.

وهنا تظهر خطورة جرائم الحوثيين ضد المدنيين، إذ إن مجرد استخدام أسلحة ذات قدرة تدميرية كبيرة في محيط المناطق السكنية يرفع احتمالات سقوط ضحايا وإلحاق أضرار بالممتلكات والمنشآت المدنية.

ومن أخطر الوقائع المرتبطة بالتصعيد الأخير استهداف سوق شعبية في ريف مديرية موزع غربي تعز بصاروخين باليستيين، وفق ما أعلنته المقاومة الوطنية اليمنية ونقلته تقارير إعلامية.

وأدى القصف، حسب المعلومات الواردة، إلى تضرر ورشة مدنية ومحال تجارية، فيما حالت خلو الورشة من العمال وقت الهجوم دون وقوع خسائر بشرية فيها.

لكن عدم سقوط قتلى أو مصابين في واقعة محددة لا يلغي خطورة استهداف المناطق المدنية، لأن الأسواق بطبيعتها أماكن تجمع للمواطنين والعاملين وأصحاب الأنشطة التجارية، ما يجعل أي قصف لها يحمل احتمالات كبيرة لوقوع كارثة إنسانية.

كما أن تدمير المنشآت التجارية لا يقتصر تأثيره على الخسائر المادية، بل يضرب مصادر الدخل ويعطل الأعمال ويزيد الأعباء الاقتصادية على السكان الذين يعيشون أصلًا في ظروف معيشية صعبة.

ويمثل إطلاق 14 صاروخًا باليستيًا خلال الساعات الأخيرة مؤشرًا مهمًا على مستوى التصعيد في الساحل الغربي، خصوصًا أن الهجمات جاءت على أكثر من منطقة وفي اتجاهات مختلفة.

وبحسب التقارير المنشورة، أعلنت القوات الحكومية اليمنية أن جماعة الحوثيين أطلقت هذه الصواريخ باتجاه المخا والخوخة، بينما لم يصدر تأكيد حوثي رسمي مماثل بشأن العملية أو تفاصيل أهدافها.

ويطرح هذا التصعيد سؤالًا أساسيًا حول أهداف الحوثيين من تكثيف القصف في هذه المنطقة تحديدًا، خصوصًا أن الساحل الغربي يضم مدنًا وموانئ ومنشآت ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية.

فاستمرار إطلاق الصواريخ باتجاه هذه المنطقة لا يهدد السكان فقط، وإنما يضغط أيضًا على النشاط التجاري والخدمات الأساسية وحركة الإغاثة.

ولا يمكن تحليل جرائم الحوثيين في الساحل الغربي بعيدًا عن الهجمات التي طالت ميناء المخا والمنشآت المرتبطة به خلال الفترة الماضية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن هجمات الحوثيين على مدينة وميناء المخا أدت إلى تعطيل العمل التجاري، كما طالت منشآت ومعدات ومخازن مرتبطة بالنشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس على حركة البضائع والمنتجات.

وتكمن أهمية هذه التطورات في أن استهداف الموانئ لا يمثل مجرد ضربة لمنشأة اقتصادية، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى السكان الذين يعتمدون على الميناء في وصول السلع والخدمات، فضلًا عن تأثيره على حركة التجارة وأعمال المزارعين والتجار.

ومن هنا، فإن استهداف المنشآت الحيوية يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط واسعة على المجتمع، لأن الأضرار لا تتوقف عند حدود المنشأة المستهدفة، بل تنتقل إلى قطاعات أخرى مرتبطة بها.

ومن أخطر تداعيات استمرار القصف الحوثي تأثيره على العمل الإنساني والإغاثي في الساحل الغربي.

وقد حذرت لجنة الإنقاذ الدولية من أن استمرار التصعيد يمكن أن يعزل السكان عن الخدمات الصحية، خاصة أن بعض المرافق الصحية التي تدعمها المنظمة تعد من المصادر الأساسية للرعاية في المنطقة. كما أشارت إلى أن ملايين اليمنيين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026.

وهذا يعني أن آثار القصف لا تصل فقط إلى الأشخاص الموجودين في منطقة الانفجار، وإنما يمكن أن تمتد إلى المرضى والأطفال والنساء والأسر التي تحتاج إلى الغذاء والرعاية الصحية.

وبالتالي، فإن أي هجوم يؤدي إلى تعطيل الموانئ أو الطرق أو المنشآت الخدمية أو وصول المساعدات يضاعف من معاناة المدنيين، ويجعل الحرب أكثر قسوة على الفئات الأكثر ضعفًا.

وتكمن خطورة استهداف الأعيان المدنية في أنه يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات الإنسانية والاقتصادية المتراكمة.

فعندما تتعرض الأسواق للقصف، يتضرر التجار والعمال والمستهلكون. وعندما تتعرض الموانئ والمنشآت الاقتصادية للهجمات، تتأثر حركة التجارة والإمدادات. وعندما تتضرر المنشآت الصحية أو تتعطل عمليات الإغاثة، يصبح المدنيون أمام خطر مزدوج يتمثل في استمرار الحرب وفقدان الخدمات الأساسية.

ولهذا فإن تكرار استهداف المناطق المدنية والمنشآت الحيوية يوسع دائرة المتضررين من الصراع، ويجعل الحرب أكثر تأثيرًا على المجتمع اليمني بأكمله.

يبدو أن الاعتماد المتكرر على الصواريخ الباليستية يمنح الحوثيين قدرة على تهديد مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة المباشرة.

لكن هذه القدرة العسكرية تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة على السكان، خصوصًا عندما تكون الأهداف داخل مناطق مأهولة أو بالقرب من الأسواق والموانئ والمنشآت الاقتصادية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصواريخ أصبحت جزءًا من نمط تصعيد متكرر في الساحل الغربي، وليس مجرد استخدام استثنائي للسلاح، وهو ما يزيد المخاوف من استمرار الهجمات خلال الفترة المقبلة.

كما يعني استمرار الهجمات الصاروخية أن الساحل الغربي يواجه خطر الدخول في دائرة تصعيد جديدة، خاصة مع تزايد الضربات على المخا والحوخة والمناطق المحيطة بهما.

والخطر الأكبر يتمثل في تحول القصف إلى نمط مستمر يستهدف المدن والمنشآت الحيوية، بما قد يؤدي إلى مزيد من الضحايا وتعطيل الاقتصاد المحلي وزيادة صعوبة وصول المساعدات الإنسانية.

كما أن التصعيد في منطقة استراتيجية مثل الساحل الغربي قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود اليمن، نظرًا لأهمية البحر الأحمر والموانئ الواقعة على امتداده بالنسبة لحركة التجارة والمساعدات.

وتضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام مسؤولية متزايدة في الضغط من أجل حماية المدنيين والمنشآت التي لا تشارك في الأعمال القتالية، وضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

وكانت لجنة الإنقاذ الدولية قد دعت جميع أطراف النزاع إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات بشكل آمن ودون عوائق، محذرة من أن العودة إلى حرب شاملة ستكون كارثية على ملايين اليمنيين.