من أنجمينا إلى أديس أبابا وعنتيبي.. جولة حميدتي الخارجية تفتح ملف الدعم والاتصالات الإسرائيلية

تحركات إقليمية متزامنة.. وإعلام الدعم السريع بين النفي والتأكيد

تفتح التحركات الخارجية لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» ملفًا واسعًا حول طبيعة العلاقات التي تعمل قواته على بنائها خارج السودان، في ظل استمرار الحرب وتصاعد الضغوط العسكرية والسياسية عليها.

وتكتسب جولة حميدتي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بثلاث محطات إقليمية بالغة الحساسية، هي تشاد وإثيوبيا وأوغندا، وهي دول ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بملفات الحدود والإمداد والنفوذ السياسي والأمني في السودان.

وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض المنصات الإعلامية المحسوبة على الدعم السريع نفي أو التقليل من بعض المعلومات المتعلقة بتحركات قائدها، تكشف منشورات متداولة على حسابات ومواقع موالية للقوات نفسها عن وجود تلك التحركات، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تريد قيادة الدعم السريع إيصالها، وما الذي تحاول إبقاءه بعيدًا عن الأضواء.

ولا تقف القصة عند حدود التحركات الإقليمية؛ إذ تعود إلى الواجهة أيضًا المعلومات المتعلقة بعلاقات حميدتي وقيادات بارزة في قواته مع إسرائيل، وهي علاقات قالت تقارير صحفية واستخباراتية إنها بدأت قبل اندلاع الحرب السودانية.

تمثل تشاد واحدة من أكثر الدول حساسية في معادلة الحرب السودانية، بحكم الحدود الطويلة مع إقليم دارفور، والتداخل الاجتماعي والقبلي، فضلًا عن الدور الذي تلعبه المنطقة الحدودية في حركة السكان والسلع والإمدادات.

وفي أغسطس 2026، ارتبط اسم حميدتي بزيارة إلى العاصمة التشادية أنجمينا، في تحرك أثار جدلًا واسعًا حول طبيعته وأهدافه.

ولا تبدو أهمية الزيارة مرتبطة فقط بالجانب السياسي، وإنما بموقع تشاد داخل شبكة العلاقات التي تحيط بالحرب في دارفور.

فأي تحرك سياسي أو أمني لقيادة الدعم السريع في أنجمينا يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على المشهد العسكري في غرب السودان، خصوصًا أن تشاد ظلت خلال سنوات الحرب واحدة من أهم الدول التي تراقب تطورات الصراع عن قرب.

وتزداد أهمية هذه المحطة إذا ما وضعت ضمن تسلسل الزيارات والتحركات التي قام بها حميدتي أو المقربون منه في المنطقة.

بعد المحطة التشادية، برزت إثيوبيا باعتبارها محطة أخرى في تحركات حميدتي.

وفي 28 أغسطس 2026، تحدثت مصادر ومنصات سودانية عن وصول قائد الدعم السريع إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وسط معلومات عن أجندة سياسية وأمنية للزيارة.

وتأتي الزيارة في توقيت حساس للغاية، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا بشأن ملفات أمنية وحدودية.

كما أن إثيوبيا تمثل مركزًا مهمًا للتحركات السياسية المتعلقة بالسودان، لوجود مقر الاتحاد الأفريقي في العاصمة، فضلًا عن ارتباطها بمنظمة الإيقاد وعدد من المبادرات الإقليمية الخاصة بالأزمة السودانية.

وبالتالي، فإن زيارة حميدتي إلى أديس أبابا لا يمكن قراءتها باعتبارها زيارة بروتوكولية منفصلة عن تطورات الحرب.

فإثيوبيا تمثل بالنسبة إلى الدعم السريع مساحة محتملة للتحرك السياسي، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها طرفًا مؤثرًا في ملفات النيل الأزرق والحدود الشرقية للسودان.

أما أوغندا، فقد شهدت محطة أكثر وضوحًا وعلنية؛ وفي فبراير 2026، التقى حميدتي الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في مدينة عنتيبي، في لقاء تناول تطورات الأزمة السودانية ومسارات السلام.

وكان اللقاء لافتًا لسببين رئيسيين؛ أولهما أن حميدتي تمكن من الظهور في لقاء رسمي مع رئيس دولة، وثانيهما أن أوغندا تحتفظ بعلاقات سياسية وأمنية متشابكة مع مختلف أطراف الأزمة السودانية.

كما أن وجود أجهزة أمنية واستخباراتية قوية في الدول التي زارها حميدتي يفتح الباب أمام قراءة أخرى للزيارات، تتجاوز اللقاءات السياسية المعلنة إلى الاتصالات الأمنية التي عادة ما تجري بعيدًا عن الإعلام.

عند وضع تشاد وإثيوبيا وأوغندا على خريطة واحدة، يظهر أن تحركات حميدتي لم تكن عشوائية من الناحية الجغرافية.

فتشاد تقع على الحدود الغربية للسودان، وتمثل بوابة دارفور.

وإثيوبيا تقع على الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية، وترتبط بملفات النيل الأزرق والحدود والتحركات السياسية.

أما أوغندا، فتقع في قلب شرق إفريقيا، وتملك علاقات متشعبة مع عدد من الأطراف السودانية والإقليمية.

وهذا يجعل الجولة، من منظور سياسي وأمني، جزءًا من محاولة إعادة بناء شبكة علاقات إقليمية يمكن أن تساعد قيادة الدعم السريع على مواجهة الضغوط التي تواجهها داخل السودان.

من أكثر الجوانب إثارة في هذه التحركات التباين بين الخطاب الإعلامي الرسمي أو شبه الرسمي للدعم السريع، وبين ما تنشره الحسابات والمنصات المؤيدة له.

ففي بعض الحالات، تظهر محاولة لنفي الزيارة أو التشكيك في المعلومات المتداولة بشأنها، بينما تقوم حسابات أخرى محسوبة على أنصار الدعم السريع بنشر معلومات عن الزيارة أو تفاصيل تتعلق باللقاءات.

الأول أن هناك خلافًا في إدارة الرسالة الإعلامية.

الثاني أن قيادة الدعم السريع تتعمد إدارة المعلومات على مراحل، بحيث يتم تسريب جزء من المعلومات لجمهورها، في حين يتم نفي أو تجاهل معلومات أخرى لأسباب سياسية وأمنية.

وفي كلتا الحالتين، فإن التناقض الإعلامي يستحق الدراسة؛ لأنه يكشف أن التحركات الخارجية لحميدتي لا تُدار فقط باعتبارها زيارات سياسية، وإنما باعتبارها جزءًا من معركة إعلامية وسياسية موازية للحرب.

لكن الجزء الأكثر حساسية في قصة تحركات حميدتي يتعلق بعلاقاته مع إسرائيل.

وهنا تظهر تقارير صحفية واستخباراتية تحدثت عن وجود تعاون واتصالات بين قيادات الدعم السريع وشخصيات ودوائر إسرائيلية منذ سنوات، أي قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وبحسب ما أوردته مجلة «أفريكا إنتليجنس»، فإن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو يعمل على تعزيز علاقاته مع إسرائيل، مشيرة إلى أن قيادات رفيعة في قوات الدعم السريع وأفرادًا من عائلة حميدتي قاموا بزيارات إلى تل أبيب عدة مرات.

وتضيف «أفريكا إنتليجنس» أن هذه التحركات تأتي ضمن تعاون تعود جذوره إلى فترة ما قبل اندلاع الحرب السودانية.

وهذه المعلومات، إذا وضعت بجانب الاتصالات السابقة التي كشفت عنها تقارير مختلفة، تقدم سياقًا مهمًا لفهم محاولات حميدتي بناء شبكة علاقات خارجية.

تكمن أهمية ما نشرته «أفريكا إنتليجنس» في أن التقرير لا يقدم العلاقة بين حميدتي وإسرائيل باعتبارها تطورًا نشأ بعد الحرب، وإنما يربطها بفترة سبقت اندلاع القتال.

فالدعم السريع كان يعمل قبل الحرب على توسيع شبكة علاقاته الدولية والإقليمية، في وقت كانت فيه قيادة القوات تسعى إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني خارج السودان.

وتشير المعلومات التي أوردتها «أفريكا إنتليجنس» إلى أن أفرادًا من عائلة حميدتي وقيادات بارزة في الدعم السريع زاروا إسرائيل عدة مرات.

وهنا لا يتعلق الأمر بزيارة واحدة أو اتصال منفرد، وإنما بسياق من التواصل تقول المجلة إنه يعود إلى ما قبل الحرب.

إذا صحت هذه المعطيات، فإن التحركات الإسرائيلية المرتبطة بقيادات الدعم السريع لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن التحركات الإقليمية.