.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
تسوية غرينلاند هي نتيجة أزمة سياسية ودستورية وأمنية تراكمت حول جزيرة تتمتع بحكم ذاتي داخل مملكة الدنمارك، فيما بقيت شؤون الدفاع والأمن والسياسة الخارجية ضمن اختصاصات المملكة. ومع تصاعد الأزمة تداخلت ثلاثة مسارات يصعب فصلها: علاقة غرينلاند بالدنمارك، وحق سكانها في تقرير مصيرهم، والمصلحة الأميركية في جزيرة تتزايد أهميتها في أمن القطب الشمالي وشمال الأطلسي.
لكن غرينلاند لا تختصر في علاقة بين كوبنهاغن ونوك، ولا في خلاف أميركي ـ أوروبي حول الأمن في القطب الشمالي. فهي أوروبية في وضعها الجيوسياسي، وأميركية وأطلسية في حساباتها الأمنية بحكم موقعها وأهميتها الجيوستراتيجية. ومع انتقال القضية إلى هذا المستوى، أصبحت المسألة تتعلق بكيفية تنظيم السيادة وتقرير المصير والوظيفة الأمنية داخل ترتيب واحد، من دون أن يؤدي أحدها إلى حسم مستقبل الجزيرة مسبقاً.
ما أنجزته التسوية يتجاوز تثبيت الوجود الأميركي في غرينلاند. فهي تعيد ترتيب العلاقة بين ثلاثة عناصر كان يمكن أن تتصادم: سيادة مملكة الدنمارك، وحق الغرينلانديين في تقرير مصيرهم، والمصلحة الأميركية في توسيع الترتيبات الدفاعية والأمنية في الجزيرة. وقد جمع الاتفاق هذه العناصر في إطار واحد، مع إبقاء احتمال تغير الوضع السياسي لغرينلاند قائماً، وتنظيم ما يترتب عليه أمنياً وأطلسياً إذا اختارت مستقبلاً الاستقلال وفق المتفق عليه.
وهنا تظهر قيمة الإنجاز: ليس في حسم الوضع السيادي لغرينلاند، ولا في منع سؤال مستقبلها، بل في تنظيم المصالح المرتبطة بها.
هنا تبدأ تسوية غرينلاند في اكتساب معنى يتجاوز حدودها. فالاتفاق لا يحاول إزالة التناقض بين السيادة وتقرير المصير والأمن، وإنما تنظيمه داخل ترتيب واحد يسمح لكل طرف بالحفاظ على وظيفته ومصلحته. وبذلك تقدم تجربة عملية في هندسة العلاقات الدولية: إدارة المصالح المتعارضة من دون تحويل الخلاف حول المستقبل السياسي إلى عائق أمام ترتيبات الحاضر، أو تحويل الترتيبات الأمنية إلى حكم مسبق على ذلك المستقبل.
ما تختبره تسوية نيويورك هو توزيع الوظائف، لا إعادة توزيع الخرائط. إذ يمكن للسيادة أن تبقى في إطارها القانوني، ولتقرير المصير أن يحتفظ بمساره السياسي، وللأمن أن يُنظَّم عبر ترتيبات دفاعية مستقلة، من دون أن يعني تبنّي أحد هذه المستويات القطع مع المستويين الآخرين. وهذه هي النقلة التي تجعل من التسوية تجربة تستحق المتابعة: إدارة تعدد المصالح داخل ترتيب واحد بدلاً من تحويلها إلى معادلة صفرية.
ولا تتطلب قيمة التجربة أن تحسم التسوية كل أسئلة المستقبل. فتقرير المصير لا يصبح استقلالاً تلقائياً، والترتيبات الدفاعية الأميركية لا تتحول إلى سيادة، وتغير الوضع السياسي لغرينلاند لا يصبح شرطاً لتنظيم أمنها اليوم. قوة الترتيب تكمن تحديداً في إبقاء هذه المسارات متمايزة، مع وضع قواعد تسمح لها بالتعايش داخل الإطار نفسه.
ولا تقل أهمية مسار التسوية عن مضمونها. فالأزمة التي بدأت بالتهديد والتصعيد انتقلت إلى التفاوض وانتهت إلى إنتاج ترتيب جديد بين الأطراف الثلاثة. وهذا بحد ذاته جزء من التجربة: نقل الخلاف من مواجهة مفتوحة إلى إدارة تفاوضية للمصالح.ما الذي تقوله تجربة التسوية في غرينلاند؟ إن قيمتها الحقيقية لن تتحدد بما رتّبته للحاضر فقط، بل بقدرتها على استيعاب مستقبل قد يتغير من دون أن ينهار الترتيب الذي أُقيم على أساسه. وهنا تكمن أهمية التجربة: ليست نموذجاً جاهزاً للتعميم، بل اختبار عملي لإمكان هندسة العلاقات الدولية عبر إدارة المصالح المتعارضة بعيداً عن منطق التحدي والتصعيد.