في الثامن والعشرين من سبتمبر، أسدل الستار على فعاليات القمة العربية الاستثنائية التي رعتها مصر لرأب الصدع ومناقشة أحداث "أيلول الأسود"، ذلك الشهر الذي بلغت سوداويته ذروتها بفاجعة رحيل زعيم الأمة جمال عبد الناصر ، فلم يحتمل قلب الزعيم مرارة الشقاق بين الأشقاء، وهو الذي أفنى عمره داعيا للقومية العربية، ومؤمنًا راسخًا بأن العمق العربي هو المرتكز الأهم والأوثق ارتباطًا بمصر وأمنها القومي.وفور إعلان نبأ الرحيل، خيّم الذهول وعمّت الصدمة البيوت العربية من المحيط إلى الخليج، واحتشدت الملايين في شوارع القاهرة لترسم مشهدًا جنائزيًا مهيبًا، سُجِل كأحد أضخم الجنازات في التاريخ الحديث. ويؤكد استقراء التاريخ السياسي والاجتماعي لمصر أن هذا الخروج المليوني الجارف كان حراكًا استثنائيًا لا يتكرر إلا في المحطات المصيرية، والتي ارتبط جلّها بعهد ناصر، تجسيدًا لولاء شعبي مطلق لشخصه، والتفافٍ لا يتزعزع حول مشروعه.وثلاث محطات كبرى صاغت هذه العلاقة الفريدة بين ناصر والجماهير ،الأولى عام 1956 حين هبت الملايين تؤازر قراره التاريخي بتأميم قناة السويس ،والثانية حين انتفضت لتجديد الثقة فيه ورفض تنحيه عقب نكسة 1967، مؤكدة أن مكانة الزعيم في وجدانها تتجاوز مرارة الهزيمة ،أما المحطة الثالثة فكانت الفاجعة الأقسى مع نبأ رحيله، فإذا كان خروج الجماهير في المرتين الأوليين بيعةً وتأييدًا، فقد كان في الثالثة وداعًا ووفاءً تجسد في جنازة أسطورية حُفرت في الذاكرة الإنسانية.ولم يقتصر تشييع ناصر على العاصمة المصرية التي تقاطر إليها المواطنون بالملايين من كل محافظة ومدينة وقرية ونجع، بل تحولت مصر بأكملها إلى سرادق عزاء مفتوح أمام كل بيت وفي كل شارع، وامتدت مشاعر الفجيعة لتجتاح شوارع الوطن العربي، الذي استقبل نبأ الوفاة بذهول ، فخرجت الحشود في مسيرات ضخمة ببيروت ودمشق وبغداد والقدس، يودعون "ناصرهم" وعيونهم شاخصة نحو مستقبل مجهول، وتساؤلات قلقة حول المصير من بعده، ولم تتوقف الدموع عند حدود الجغرافيا العربية، بل بكت الزعيم عواصم إفريقيا ودول العالم الثالث في آسيا وأمريكا اللاتينية.إنها مشاهد صاغها الحزن ولن ينساها التاريخ، فندراً ما تجتمع شعوب الأرض على محبة قائد واحد، لقد كان عبد الناصر رجلاً اتسعت همته لتستوعب آمال أمته، فصار انعكاساً صادقاً وأصيلاً لضميرها الحاضر، وفارسها ومخلصها الذي انتشل الوجدان الشعبي من سنوات القهر والكبت والتبعية، ليحرره من عقد الخوف، وينطلق بطموحاته الحبيسة إلى فضاء رحب من الحرية والكرامة.فلم يكن جمال عبد الناصر مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الأمة، بل كان محوراً جوهرياً صاغ هويتها، إذ لم يفل الرحيل من بريق زعامته، بل زادها توهجاً واتساعاً، ليمتد تأثيرها إلى أجيال تعاقبت ولم تعاصره، ولم يكن هذا التعلق ضرباً من التملق، بل افتتاناً خالصاً بمشروعه السياسي كزعيم فذّ ناهض التبعية، وساند حركات التحرر، وذاد عن استقلال الشعوب.لقد مثل ناصر الفكرة الحالمة بوطن أفضل، والنموذج الثوري والإصلاحي الرومانسي لشعوب تاقت للخروج من نفق الاستعمار المظلم، ولذا انطبعت صورته في وجدان ملايين العرب والمصريين قبل أن تخطّها صفحات التاريخ.إن التجربة الناصرية تركت بصمة خالدة لا تُمحى في مجرى التاريخ الحديث ،فمبدعها شكل حالة فريدة ألهمت السياسيين وحيّرت خصومه ومحبيه على حد سواء، فظلت الفكرة وصاحبها حاضرين بقوة تحت أضواء النقاش رغم مرور أكثر من نصف قرن على غيابه، لقد منح الزعيم الراحل ملايين المقهورين والمظلومين الكثير، وحتى الأهداف التي تعثر في تحقيقها، وهبهم لأجلها أملاً لم يكن يملكه المهمشون من قبل، ولأن الأمل جذوة لا تنطفئ، فإن مانحه لا يموت أبداً ويظل حياً في الذاكرة ، لقد أعطاهم الأمل، فمنحوه الخلود