منال الرويشد.. من التعليم إلى اللوحة ومن اللوحة إلى المجتمع

لم تكن اللوحة عند الدكتورة منال الرويشد مجرد مساحة لون، بل نافذة عبرت منها إلى التعليم والثقافة والعمل المؤسسي وصناعة المبادرات. تشكلت تجربتها بين الفنانة التي تبحث عن لغتها الخاصة والأكاديمية التي تنقل المعرفة إلى أجيال جديدة والفاعلة الثقافية التي ترى أن خدمة الفن لا تقل أهمية عن ممارسته.الاحتفائية التي أقامها أخيراً عدد من المثقفين والفنانين والأكاديميين والإعلاميين تحت عنوان «سيرة نبض» جاءت وقفة وفاء أمام رحلة صنعت حضوراً مع تحولات المشهد التشكيلي السعودي.**media[2761711]**بدأ ارتباط الرويشد بالفن من مساحة تجمع بين الممارسة والمعرفة ثم اتسعت تجربتها عبر عملها في التعليم وتدريس الفنون والعمل الإداري والثقافي. وهي تجربة منحتها النظر إلى الفن من أكثر من زاوية، فالفنان ليس منتجاً للجمال فقط، بل شريك في بناء الوعي وصناعة الذائقة.وفي مسيرتها محطة مهمة في العمل التشكيلي المؤسسي، إذ كانت من الأعضاء المؤسسين للجمعية السعودية للفنون التشكيلية «جسفت» قبل أن تتولى رئاسة مجلس إدارتها كأول امرأة تصل إلى هذا الموقع. وارتبط حضورها بالمبادرات والمشاريع والبرامج التي منحت الفنانين مساحة أوسع للحضور والتجربة.**media[2761714]**كما ارتبط اسمها مبكراً بالفن الرقمي وأسهمت في تأسيس «مجموعة الفن الرقمي» وتولت رئاستها وقدمت عام 2008 معرضها الشخصي الرقمي «يأتي بلا موعد» لتضع تجربتها ضمن البدايات المبكرة لهذا الاتجاه في المملكة.ومن المحلية امتدت التجربة إلى فضاءات عربية ودولية، فمثلت المملكة في مناسبات ومعارض وحوارات ثقافية من بينها معرض «المرأة والفنون رؤية عالمية» في الشارقة عام 2005 والأسبوع الثقافي السعودي في الدوحة عام 2010.**media[2761710]**وحضرت الرويشد في الندوات والمحاضرات والأمسيات وشاركت في التحكيم واللجان الثقافية وكتبت في قضايا الثقافة والمجتمع وأسهمت في تنظيم المعارض وصناعة المبادرات.وفي تجربتها تبدو المرأة والموروث أكثر حضوراً بوصفهما ذاكرة وهوية، كما تربط أعمالها بقضايا التنمية المستدامة وجودة الحياة وترى في الفن قوة ناعمة تسهم في تشكيل الوعي وتعزيز حضور المرأة وإبراز دورها في البناء والاستقرار الاجتماعي.ويتصل بهذا اهتمامها بالنقد والجماليات، فقد شاركت بورقة علمية حول «النقد والجماليات في الفنون التشكيلية» ضمن الملتقى الأول للفنون البصرية والنقد عام 2025 كما قدمت رؤيتها حول «القصدية في تصميم غلاف الكتاب الأدبي.. الرواية أنموذجاً» مؤكدة أن علاقتها بالصورة ليست ممارسة فقط بل سؤال وتأمل وقراءة.**media[2761712]**وخلال هذه الرحلة حظيت بتكريمات ووثقت تجربتها ضمن برنامج «تكوين» كما اختيرت شخصية للعام من جمعية الثقافة والفنون في جدة.ولعل «سيرة نبض» لم تكن مجرد عنوان لاحتفائية عابرة بقدر ما كانت اختصاراً لمسيرة ظلت تنبض بالفن والتعليم والعطاء. فمنال الرويشد لم تعبر المشهد التشكيلي بوصفها فنانة فقط بل تركت في محطاته شيئاً منها وفي أجياله أثراً من تجربتها وفي مؤسساته جزءاً من جهدها.وبين قاعة الدرس وفضاء اللوحة والعمل الثقافي والمؤسسي امتدت سنوات طويلة من العطاء لتؤكد أن السيرة الحقيقية للفنان لا تكتب بعدد المعارض والمناصب والتكريمات وحدها، بل بما يتركه خلفه من أثر وبمن يفتح لهم الطريق وبما يضيفه إلى ذاكرة المكان.لهذا بدا الاحتفاء بها أقرب إلى لحظة وفاء لمسيرة لم تتوقف عند منجز شخصي بل اتسعت لتلامس الآخرين. وحين تصل التجربة إلى هذه المساحة يصبح التكريم شهادة محبة وتقدير ويصبح أجمل ما في السيرة أنها ما زالت تنبض.