منابر الكويت بصوتٍ واحد: الوفاء للمملكة – فائز بن سلمان  الحمدي

ليس الوفاءُ كلمةً تُستملح في المجالس، ولا عاطفةً تستيقظ على وقع الأحداث ثم تخبو بانقضائها، ولا شعارًا تستدعيه المصالح حين توافق الهوى؛ إنما هو معدنٌ أصيلٌ تُمحَّص به النفوس، ومقامٌ رفيعٌ تُعرف به مراتب المروءات، وعهدٌ لا يثبت صدقه إلا حين تستدعيه المواقف، وتشتدّ به المحن، وتُختبر عنده حقيقة الروابط. وللمواقف من البيان ما تعجز عنه المطوّلات، وللأفعال من البلاغة ما لا تبلغه زخارف القول؛ فربّ موقفٍ صادقٍ اختصر من معاني الشرف ما لا تستوعبه مجلدات، وربّ كلمةٍ قيلت في موضعها كانت أبلغ من خطبٍ طوالٍ لا تجاوز الأسماع إلى الضمائر.

ومن هذا المقام تُقرأ دلالة الموقف الكويتي المتضامن مع المملكة العربية السعودية، حين تتجه المنابر إلى تأكيد حرمة الاعتداء، واستحضار وحدة المصير، وتجديد معاني الأخوّة بين الأشقاء. فليس الأمر كلماتٍ تنقضي بانقضاء الصلاة، ولا معاني تُستنفد بانتهاء الخطبة، بل استدعاءٌ لميثاقٍ أرساه الدين، ورسّخه الجوار، وشهدت له صفحات التاريخ؛ ميثاقٍ يجعل من الأخوّة مسؤوليةً، ومن الوفاء واجبًا أخلاقيًّا، ومن التضامن موقفًا لا تمليه عوارض السياسة، ولا تبدّده تقلّبات المصالح.

وقد تناولت خطبة الجمعة في دولة الكويت بتاريخ السادس عشر من أكتوبر عام 2026 معاني وحدة المصير وحرمة الاعتداء، مؤكدةً أصولًا شرعيةً تتصل بالعدل والإحسان، وصيانة النفوس والحقوق، والنهي عن الظلم والعدوان. وتكتسب هذه المعاني أهميتها من اتصالها بواجبٍ يتجاوز حدود الموعظة إلى مقتضيات المسؤولية العامة؛ فحين يستحضر المنبر حرمة الدماء، وحق الشعوب في الأمن، ووجوب الكفّ عن العدوان، فإنه يذكّر بأن الاستقرار ليس امتيازًا سياسيًّا مجرّدًا، بل ضرورةٌ تحفظ للإنسان كرامته، وللوطن سيادته، وللمنطقة أسباب الطمأنينة. ومن هنا تتجلّى قيمة الخطاب الذي يردّ المواقف إلى أصولها الأخلاقية، ويجعل التضامن سبيلًا إلى صيانة الحقوق، لا ذريعةً إلى الخصومة، ولا مدخلًا إلى الغلوّ. وما أجمل أن تنطق المنابر بما استقرّ في ضمير الأمة من مكارم الأخلاق، وأن تتكلم المواقف حين تضيق العبارة عن حمل المعنى! فإذا نطقت الكويت في شأن المملكة، فإن صوتها لا يُقرأ في حدود الجوار الجغرافي وحده، بل في سياق وشيجةٍ أرسخ من المسافات، وأعمق من المصالح العابرة؛ وشيجةٍ يتعاضد فيها الدين مع التاريخ، وتتآلف فيها المروءة مع المسؤولية، ويلتقي فيها صدق الوفاء مع مقتضيات الحق.

فالأخوّة في ميزان الشريعة ليست انتسابًا لفظيًّا، ولا عاطفةً سائبةً لا يضبطها مبدأ، وإنما هي رابطةٌ تترتب عليها حقوق، وتنبثق منها واجبات، وتظهر حقيقتها حين تتعارض الأهواء، وتشتدّ الخطوب، وتحتاج النفوس إلى ما يردّها عن الشحناء، ويجمعها على العدل والإصلاح. وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). ففي هذه الآية أصلٌ محكمٌ من أصول الاجتماع الإيماني؛ إذ لم يجعل الله الأخوّة دعوى تُرفع، بل حقيقةً تستوجب الإصلاح، وتقتضي صيانة الروابط من أسباب التصدّع، وتردّ الخصومات إلى ميزان التقوى. ثم جاء الأمر بالتعاون على البر والتقوى، والنهي عن الإثم والعدوان، في قوله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، ليضع للنصرة حدّها الذي لا تتجاوزه، وللوفاء أصلَه الذي لا ينفصل عنه؛ فليس من كمال المحبة أن تُتخذ ذريعةً إلى الظلم، ولا من صدق النصرة أن يُعطَّل العدل، وإنما تمامها أن تُعاضد الحق، وتدفع العدوان، وتحفظ للإنسان كرامته، وللوطن سيادته، وللأمة أسباب أمنها واجتماعها.

وللمملكة العربية السعودية في وجدان المسلمين منزلةٌ لا تحدّها حدود الجغرافيا، ولا تستوعبها حسابات المصالح الآنية؛ ففي رحابها البيت العتيق الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا، وإليه تتجه الوجوه، وتنعقد الأشواق، وتفد القلوب قبل الأقدام، وفيها المدينة النبوية التي تتعلّق بها أفئدة المؤمنين محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشوقًا إلى مسجده الشريف. قال تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا). فاجتمع لهذه البلاد شرف المكان وعِظَم الأمانة؛ إذ ارتبط أمنها بطمأنينة الحجاج والمعتمرين والزائرين، وبسلامة شعائر تتعلق بها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.