ملفات حساسة بلا جراحة.. قمة شراء الوقت بين ترامب وشي

بعد أربعة أشهر من آخر لقاء جمعهما، تبادل الزعيمان دونالد ترامب وشي جين بينغ المجاملات وسط حفاوة أمريكية واضحة، خلال أول زيارة للرئيس الصيني إلى واشنطن منذ أكثر من عقد، حيث مددا هدنة تجارية، وتبادلا الهدايا والثناء، وأقرا بإمكانية العمل معاً لاحتواء مخاطر تطوير الذكاء الاصطناعي، لكن بالنسبة لقمة تاريخية كان من المفترض أن تعالج التوترات المتصاعدة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وجيوسياسيتين في العالم، كانت الزيارة هادئة نسبياً، عنوانها الأبرز: «شراء الوقت لا التسوية الشاملة».وبحسب العديد من المراقبين، فإنه يمكن قراءة نتائج القمة باعتبارها إدارة للخلاف أكثر من كونها تسوية له، فقد انتهت الزيارة التي جرت بين 23 و25 سبتمبر/ أيلول، من دون أن تحمل اختراقاً حاسماً في القضايا الأكثر حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين، رغم إظهار دفء شخصي ودبلوماسي.تمديد الهدنة التجارية.. أبرز نتيجة معلنةبينما كان الجانب الاقتصادي أبرز النتائج العملية للقمة. فقد أعلنت واشنطن وبكين تمديد الاتفاق التجاري المعروف باسم «اتفاق بوسان» لمدة شهرين، من موعد انتهائه السابق في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى 10 يناير/ كانون الثاني 2027.وتكتسب هذه المهلة أهمية خاصة بالنسبة للشركات والأسواق وسلاسل الإمداد العالمية، لأنها تؤجل احتمال عودة التصعيد الجمركي في المدى القريب. وفي الوقت نفسه، فإن قصر مدة التمديد يعني أن الخلافات الأساسية لم تُحسم، وأن المفاوضات ستظل عرضة للتأثر بالتطورات السياسية والاقتصادية في البلدين.قمة هادئة نسبياًحرص ترامب وشي خلال اللقاء والمأدبة الرسمية على استخدام لغة إيجابية تجاه العلاقة الثنائية. وأكد شي أن الولايات المتحدة والصين تمتلكان مصالح مشتركة واسعة، داعياً إلى التعاون في المجالات التي يمكن أن يستفيد فيها البلدان من قدراتهما المتبادلة.كما شدد خلال مباحثاته مع ترامب على ضرورة إدارة المنافسة بين البلدين، بدلاً من تحويلها إلى مواجهة مفتوحة. وقال إن الصين والولايات المتحدة تستطيعان التنافس والتعاون في الوقت نفسه، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي.من جهته، وصف ترامب زيارة شي بأنها زيارة مهمة، وقال إن البلدين ينبغي أن يواصلا الحوار من أجل التوصل إلى ترتيبات اقتصادية أفضل، كما أقر بأهمية استمرار الاتصالات بين واشنطن وبكين بشأن الذكاء الاصطناعي.وكانت المظاهر الاحتفالية للزيارة واضحة، إذ أقيمت مراسم استقبال رسمية في البيت الأبيض، تلتها مأدبة عشاء رسمية حضرها الرئيسان وزوجتاهما، في إطار برنامج رسمي أعدته الإدارة الأمريكية للزيارة. لكن خلف هذه الأجواء الاحتفالية بقيت الملفات الأكثر حساسية من دون تسوية شاملة.تايوان.. الخلاف الأكثر حساسيةاحتلت قضية تايوان موقعاً رئيسياً في الحسابات الصينية، ووفقاً لوزارة الخارجية الصينية، طلب شي من واشنطن الالتزام بموقف معارض لاستقلال تايوان والتعامل بحذر مع القضية، باعتبارها من القضايا المرتبطة مباشرة بسيادة الصين ووحدة أراضيها. ولا تزال واشنطن وبكين تختلفان جذرياً حول مستقبل الجزيرة.فالصين تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها وتعارض استقلالها، بينما تحافظ الولايات المتحدة على سياسة تقوم على الاعتراف الدبلوماسي مع استمرار علاقاتها غير الرسمية مع تايبيه والتزامها القانوني بتوفير وسائل دفاعية لتايوان. ولم ينتج عن قمة واشنطن، إعلان عن تسوية جديدة بشأن القضية.الذكاء الاصطناعي: من ساحة تنافس إلى مجال للحواربرز الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر مما كان عليه في مراحل سابقة من العلاقة الأمريكية الصينية، مع إدراك الطرفين أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من المنافسة الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.وقال شي إن الولايات المتحدة والصين تمتلكان قدرات قوية في الذكاء الاصطناعي، وإن البلدين يستطيعان التعاون في مواجهة مخاطر إساءة استخدام التكنولوجيا. ودعا إلى استمرار الحوار بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي وفوائده، مؤكداً ضرورة إبقاء التكنولوجيا تحت السيطرة البشرية.وسبق ذلك محادثات بين مسؤولين أمريكيين وصينيين تناولت الذكاء الاصطناعي، والمعادن الأرضية النادرة، والتجارة، وقواعد السلامة الخاصة بالأنظمة المتقدمة. وكانت واشنطن قد بحثت أيضاً إمكانية إنشاء آليات للحوار بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي وإدارة الأزمات المرتبطة به. لكن التعاون المحتمل في هذا المجال لا يلغي المنافسة التكنولوجية. فما زالت الولايات المتحدة تفرض قيوداً على تصدير بعض التقنيات والرقائق المتقدمة إلى الصين، فيما تعمل الشركات الصينية على تطوير قدراتها المحلية في الرقائق والذكاء الاصطناعي.وفي الأسابيع التي سبقت القمة، أعلنت شركات صينية، من بينها علي بابا، عن تطورات جديدة في الرقائق ونماذج الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على استمرار الاستثمار الصيني في تقليص الفجوة التكنولوجية رغم القيود الأمريكية.المعادن الأرضية النادرة: ورقة نفوذ صينيةتمثل المعادن الأرضية النادرة إحدى أكثر أوراق القوة الاقتصادية أهمية في العلاقة الثنائية، نظراً لدورها في الصناعات الإلكترونية والسيارات والطاقة والدفاع والتكنولوجيا المتقدمة. وكانت القيود الصينية على صادرات بعض المعادن والمنتجات المرتبطة بها قد أصبحت خلال العامين الماضيين إحدى أدوات الضغط في المفاوضات التجارية، بينما تحاول الولايات المتحدة تقليل اعتمادها على سلاسل الإمداد الصينية.ولهذا السبب، ظل ملف المعادن الاستراتيجية جزءاً من المحادثات الاقتصادية التي سبقت القمة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والرسوم الجمركية. ومن منظور بكين، تمنح السيطرة على جانب مهم من هذه السلاسل الصناعية الصين قدرة تفاوضية إضافية. أما واشنطن، فتتعامل مع المسألة باعتبارها جزءاً من جهود أوسع لتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للمواد الحيوية.ملف الحرب الإيرانيةفي حين دعا الزعيم الصيني واشنطن وطهران إلى ضرورة العودة إلى مذكرة التفاهم الموقعة بينهما والتي أعلن ترامب أنها انتهت بعد هجوم إيراني على سفن في مضيق هرمز، فقد شددت واشنطن على أن ⁠الرئيس الأمريكي أوضح ‌خلال محادثات ‌البيت الأبيض أن دعم بكين ‌لإيران أمر غير مقبول. وأضاف السفير الأمريكي لدى بكين ديفيد ‌بيردو في ⁠مقابلة مع شبكة سي.إن.بي.سي: «أوضحنا لهم بشكل جلي قبل أسابيع أن أي مساعدة قد يقدمونها لإيران، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وسواء تمثلت في معلومات مخابرات أو قطع غيار أو معدات ‌عسكرية، هي أمر غير مقبول على الإطلاق. أكد الرئيس ترامب ⁠ذلك مجدداً».لكن عندما سُئل بيردو في مقابلة منفصلة على قناة فوكس نيوز ‌عما إذا كان ذلك يعني ‌أن الصين ستتوقف عن مساعدة إيران، قال بيردو إن واشنطن تلقت تأكيدات من بكين الخميس. وأضاف: «رأينا تحركاً.. بشأن ذلك بالفعل. هذا هو الالتزام. وقد أكدوا ⁠لنا أنهم لا يفعلون ذلك».لماذا تحتاج واشنطن وبكين إلى الهدوء الآن؟تأتي القمة في وقت تواجه فيه إدارة الرئيس ترامب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط تراجع شعبية الحزب الجمهوري، لصالح الحزب الديمقراطي، والذي إذا حقق الأغلبية فسيمثل ذلك عوامل ضغط على إدارة ترامب، بينما الصين تواجه تحديات داخلية مهمة، خصوصاً في قطاع العقارات والطلب المحلي والمالية.وبالمثل تنتظر الصين محطة سياسية مهمة، فقد حدد الحزب الشيوعي موعد انعقاد الجلسة الخامسة للجنة المركزية العشرين بين 26 و29 أكتوبر/تشرين الأول 2026. ومن المقرر أن تركز الجلسة، وفق الإعلان الرسمي، على تعزيز الحوكمة والانضباط داخل الحزب. ويأتي ذلك قبل المؤتمر الوطني للحزب المتوقع في خريف 2027، وهو الموعد الذي يمثل محطة رئيسية في ترتيب القيادة والأولويات السياسية والاقتصادية الصينية.وفي هذا السياق، يمكن أن يوفر استقرار العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة مساحة لبكين للتركيز بصورة أكبر على معالجة هذه الاختلالات الداخلية. ولا يعني ذلك أن الهدنة التجارية تحل المشكلات الاقتصادية الصينية، لكنها تقلل، مؤقتاً، أحد مصادر عدم اليقين الخارجي في وقت تعاني فيه قطاعات داخلية من ضغوط مستمرة.ماذا كسب كل طرف؟بالنسبة إلى الصين، يوفر تمديد الهدنة التجارية فترة إضافية من الاستقرار ويقلل خطر عودة التصعيد الجمركي المباشر في الأجل القريب. كما يمنح بكين وقتاً لمواصلة تعزيز قدراتها المحلية في التكنولوجيا والصناعة، ومعالجة الضغوط الداخلية.أما الولايات المتحدة، فتحصل في المقابل على استمرار إطار تفاوضي مع الصين بدلاً من العودة الفورية إلى التصعيد، مع إبقاء الملفات المتعلقة بالتجارة والمعادن والذكاء الاصطناعي وغيرها على طاولة التفاوض.لكن أياً من الطرفين لم يتخلَّ عن أدوات الضغط الأساسية. فالقيود التكنولوجية الأمريكية ما زالت قائمة، والصين ما زالت تمتلك أوراقاً مهمة في المعادن وسلاسل الإمداد، بينما تبقى تايوان نقطة خلاف استراتيجية لا يبدو أن القمة عالجتها بصورة نهائية.«شراء الوقت» لا إنهاء المنافسةلا تشير نتائج قمة واشنطن إلى نهاية الصراع الاقتصادي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، بل إلى محاولة جديدة لإدارته ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة. والنتيجة الأكثر وضوحاً هي تمديد الهدنة التجارية.لكن «كسب الوقت» لا يعني بالضرورة تغير ميزان القوى أو اختفاء أسباب الخلاف. فتظل تايوان، والرقائق والذكاء الاصطناعي، والمعادن الأرضية النادرة، وفائض الإنتاج والتجارة، إضافة إلى ملفات الأمن والسياسة الدولية، عناصر أساسية في العلاقة.وعليه، فإن قمة واشنطن أنتجت استقراراً مؤقتاً أكثر مما أنتجت مصالحة استراتيجية. وقد يكون الاختبار الحقيقي في الأشهر المقبلة هو ما إذا كان الطرفان سيستخدمان فترة الهدنة لبناء اتفاق اقتصادي أوسع، أم أن التنافس سيعود إلى الواجهة مع اقتراب موعد انتهاء التمديد في يناير 2027.