ملتقى الشارقة للخط.. الحرف ينسج ميزان الجمال

هذه البراعة تطول الجانب الجمالي والإيقاعي الذي يمنح العمل الفني تشكيلاً هندسياً متناغماً، وتوزيعاً بصرياً بين كتل الحروف والفراغات البيضاء المحيطة بها، كما تمنح التكوين الفني توازناً وانسجاماً بصرياً وبعداً دلالياً وتعبيرياً وارتقاء بحرفة الخط من الصنعة إلى الإبداع، كما يمنح المتلقي فرصة الاستمتاع وهو يتنقل بين عناصر اللوحة بسلاسة خاصة في التكوينات الدائرية والهرمية والمتشابكة.قوة الحرفلدينا لوحة للخطاطة التركية جولشين يلدز استخدمت فيها تكويناً خطياً دائرياً للقول المأثور «لا غالب إلا الله» برعت في تكوينها الهندسي الذي تداخلت فيه الحروف ضمن بنية شعاعية تتجه نحو مركز اللوحة، وكان الملمح التشكيلي في هذا العمل بارزاً بما فيه من تكرار للوحدة الخطية التي شكلت أساساً بنائياً ينظم التكوين ويمنحه إيقاعه البصري، الذي يعزز وحدة العمل وتماسك أجزائه، ما بين الحروف وتشابكاتها ما يمنح العين حركة دورانية تنتقل من محيط اللوحة نحو مركزها، ثم مرة أخرى إلى الوحدات الخارجية المكونة لهذا التشكيل.وتكمن جماليات هذا التكرار في منح الشكل حيوية ظاهرة تتجلى في كافة أجزاء اللوحة، التي رسخت الفنانة من خلالها قوة العبارة في وجدان وعقل المتلقي.ابتكاربدورها قدمت الفنانة الإماراتية فاطمة سالمين لوحة فنية من الحديث الشريف «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» في عمل فني جمع بين الأصالة والابتكار، حيث يقوم العمل على تشكيل كتلة خطية كبيرة من كلمة «خيركم» التي تكررت مرتين في الحديث الشريف، حول نقطة مركزية هي كلمة «لأهله» كان التكرار بسيطاً في هذه اللوحة من أعلى وأسفل في عمل تجلت فيه قدرة الفنانة على تحويل الحرف إلى إيقاع بصري متحرك.وهذا التشكيل الهندسي للحرف الذي تعزز من اللون والتكرار، أضاء على مركز اللوحة الذي يحتضن كلمة «لأهله» التي تشكل بؤرة العمل الفني، حيث يتوجه خطاب الخير في الحديث الشريف إلى (الأهل).تقوم اللوحة على حرفية واضحة في استخدام اللون في علاقته مع الكتلة الخطية، وأيضاً في تحقيق توازن بصري من تكرار الوحدة الخطية حول المركز، مع تغيير اتجاه الحروف من أجل خلق إيقاع بصري يوحد بين أجزاء اللوحة.واللون في اللوحة تشكل من اللون البني الفاتح في مجمله مع البني الغامق، وهذا التدرج اللوني في مسارات الحرف كسر رتابة اللون الواحد وأوحى بأن الحرف يتحرك بين الضوء والظل بما يعزز الإحساس بالبروز والامتداد.تجسيد الحلمفي لوحة تجسد القول العربي الشهير «الحلم سيد الأخلاق» للفنان عثمان أحمد العيسى، نتوقف عن تشكيل فني بارع يجسد قيم الصبر والعقل وضبط النفس، باعتبارها تحتل مكانة كبيرة وعظيمة بين الفضائل والأخلاق، والتكوين الفني في هذه اللوحة يقدم مساحة تتجاوز حدود الحرف إلى فضاء القيمة، وتأمل معنى الحلم بصفته تاجاً للأخلاق وضابطاً للسلوك، وقد صاغ عثمان العيسى هذه اللوحة في تكوين خطي يجمع بين الوقار وانسيابية الحروف أفقياً وعمودياً ما منح الكتلة الخطية هيبة وثباتاً.يتشكل جمال هذه اللوحة من قدرة الخطاط على تحويل العبارة إلى بناء بصري تتعانق فيه الحروف وتتداخل في نسيج متماسك، الكلمات تتحول إلى تكوين فني نابض بالحركة والإيقاع، وهكذا تتجاوز اللوحة حدود المهارة الخطية لتجسد في بنائها دلالة الحلم ومعانيه العميقة، وكأن هذه الحروف نفسها تمارس الحلم في تآلفها، وتؤكد أن الجمال الحقيقي لا يقوم على قوة الحضور وحدها، بل على الانسجام والتوازن.التشكيل في هذه التجارب الفنية الثلاث، هو أداة جوهرية لإعادة قراءة النصوص المختارة، وفهمها وتدبر مقاصدها، وهو صنعة فنية تجمع بين أصالة التراث وجماليات الإبداع البصري، وهو المحور الأساسي الذي يقوم عليه فن الخط العربي.