يعد الخط العربي من أبرز الفنون التي نقلت اللغة من كونها وسيلة للتعبير إلى بناء بصري تتداخل فيه هندسة الحروف مع الإيقاع والتوازن والفراغ والزخرفة، وفي هذا السياق، يأتي ملتقى الشارقة للخط في دورته الثانية عشرة تحت شعار «ميزان»، ليغدو محفلاً فنياً يجمع الخطاطين والباحثين حول الحرف العربي، وتتوزع تجارب الملتقى بين تجارب خطية تنطلق من المدارس المعروفة، التي تشتغل على ضبط الحرف وإيقاعه ونسبه وموازينه، وتجارب تكوينية تتعامل مع الحرف كعنصر بصري يبني المشهد والمعنى.أمامنا لوحة للخطاط خالد الجلاف، والتي كتب فيها بالخط الكوفي، الحديث الشريف «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، اعتمد فيها الفنان تكويناً عاماً على شكل مثلث متساوي الأضلاع بحد حروفي مزدوج، وتتقاطع داخله ثلاثة خطوط منحنية قوسية لتكون عقدة ثلاثية، ولعل هذه العقدة من الجماليات اللافتة في هذا العمل، حيث عملت على توزيع الحروف في الفراغات الناتجة عن التقاطع، كما أضفت بعداً زخرفياً، إضافة إلى إبراز الجانب الدلالي للحديث الشريف الذي يحث على الترابط العائلي، ويتجمع في المركز حرف الواو وكلمة «أنا» بوضع عمودي، فيصبح ضمير المتكلم قلب اللوحة البصري، ويتطابق أهم موضع دلالي مع أهم موضع بصري، بينما تتوزع الكتل الخطية حول الأضلاع والزوايا بإيقاع متناوب بين الكثافة والخفة، وتحيط بها هوامش تركز النظر على الكتلة المركزية.يقوم البناء اللوني للوحة على سواد الحبر الصيني ويقابله اللون البيج أو العاجي للورق، وهي ثنائية منحت العمل تبايناً ووضوحاً في الكتلة، كما أسهم هذا التباين في إبراز نقاء الخطوط في التكوين العام للعمل، فتبدو الخطوط ثابتة مستقرة على السطح متوشحة بالوقار والهدوء، فيما جاءت النقاط الحمراء المتناثرة كلمسة لونية لكسر أحادية الأسود، إضافة إلى دورها كنقاط ارتكاز تقود العين في قراءة بصرية جمالية للتكوين، كما أنها تستحضر في الوقت ذاته تقليد المخطوطات في استعمال الأحمر لعلامات الضبط، وفي العموم تجلت في تنفيذ هذه اللوحة براعة يد الخطاط في ضبط الزوايا واستقامة الخطوط، وفي إحكام التقاطع بين الاقواس والمثلث.**media[8209826]***إتقانفي اللوحة الثانية، والتي خطتها يد الفنانة ليلى النجار، بخط الديواني الجلي وكتبت فيها الآية القرآنية الكريمة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ( آل عمران-19)، لتنقلنا إلى مشهد بصري يفيض بالرحابة والانسياب، وقد اختارت الخطاطة بناء تكوين العمل بأسلوب تركيبي متداخل، حولت فيه الكلمات إلى كتلة خطية واحدة تتصاعد حركتها تدريجياً نحو الأعلى، في هيئة تتسم بالرشاقة والتماسك.وتبرز في هذا العمل مهارة الخطاطة في التحكم بانحناءات الحروف واستطالاتها، وفي توزيع سماكة الحروف بين الأجزاء الدقيقة والعريضة، وقد نفذت الكتابة بلون أحمر مائل إلى البني، على خلفية ورقية بلون عاجي، الأمر الذي يمنح اللوحة إحساسا بالقدم والأصالة، وكأنها صفحة من مخطوط قديم.ويظهر في العمل أن الفنانة استخدمت النقاط والعلامات التشكيلية بكثافة، وهي بالطبع سمة بارزة في الخط الديواني الجلي، وبذلك أسهمت في بناء الإيقاع الزخرفي وملء الفراغات الداخلية في اللوحة، لتحول بذلك سطح الكتابة إلى نسيج بصري متكامل.ولعل ما يلفت النظر هو امتداد حرف«الميم» في الجهة اليسرى نحو الأسفل، لينتهي بانحناءة معلقة أشبه بقطرة وهذا الامتداد ساعد في التخفيف من كثافة الكتلة الحروفية وخلق شيئاً من التوازن تتعانق فيه الحروف وتتداخل لتشكل بناءً تتآلف فيه الدلالة الروحية مع الجمال الخطي.*مرونةالخطاطة هاجر الكثيري تشارك في الملتقى بلوحة بالخط الكوفي المربع، واختارت لها الآية القرآنية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم-21)، تتشكل رؤية فنية تقوم على التوازن الهندسي والتقابل بين الكتل الخطية، إذ ينتظم التكوين ضمن مساحة أفقية تتوزع فيها الحروف السوداء على جانبي مركز زخرفي، وقد تحولت الحروف إلى وحدات هندسية مستقيمة تتقاطع بزوايا قائمة وتتداخل بإحكام، لتبدو كأنها وحدات معمارية تنتظم وفق إيقاع محسوب من التكرار والتماثل، مع احتفاظ الكتابة بمكانتها الأساسية في العمل، ويبرز في هذا التكوين تحكم الخطاطة في بناء الحروف وتوزيعها داخل مساحة العمل، كما أن تنوع تفاصيل الحروف وتتابعها ساهم في كسر الرتابة التي قد يفرضها الطابع الهندسي للوحة.ومما يلفت الانتباه في قلب هذا البناء هو الزخرفة الوسطية، التي اتخذت موقعاً خاصاً باختلاف طبيعة خطوطها وألوانها عن الكتل الخطية المحيطة بها، وحين تنتقل العين من الكثافة السوداء للحروف، تظهر درجات الأزرق الفاتح والأخضر والأصفر ضمن تكوين تتداخل فيه الانحناءات والتموجات، وتتراكب وحداته ذات الطابع النباتي في صورة أكثر رقة وانسيابية. وقد منح هذا التنوع اللوني المركز حضوراً واضحاً، من دون أن يعزله عن بقية اللوحة، إذ تربطه بالأشكال الهندسية المحيطة علاقات من التوازن والتقابل، تجعل الزخرفة جزءاً من وحدة التكوين.**media[8209825]**