ملتقى الشارقة للخط.. الحرف ميزان القلب

في عالم الخط العربي، لا يقف الحرف عند حدود شكله أو دلالته اللغوية، بل يتحول إلى عنصر بصري تتشكل من خلاله العلاقات الجمالية، وتتجلى في بنائه أسرار التناسب والتوازن والإيقاع، فلكل حرف ميزانه الذي يضبط امتداداته وانحناءاته وارتفاعاته، وهذا يمنحه هوية فنية ضمن تكوين تتآلف فيه العناصر مجتمعة لتصنع وحدة بصرية منسجمة.هذا ما نشهده في معظم مشاركات ملتقى الشارقة للخط في دورته ال12 تحت شعار «ميزان» الذي يفتح على تجارب ومشاركات إبداعية ومتجددة في جماليات الحرف العربي، بوصف هذا الحرف بنية فنية قابلة للتشكيل والتجريب، حيث تلتقي قوانين قواعد كتابته الصارمة مع رؤى إبداعية معاصرة، هنا، يغدو الحرف مساحة للإبداع، ويصنع التكوين الفني لهذا الحرف حواراً بصرياً وإبداعياً في تجربة واحدة تؤكد على جماليات الخط العربي.مزيجاختار الخطاط التركي آدم صقال العبارة القرآنية «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ» وهي جزء من الآية القرآنية «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، (يوسف: 53)، وقد كتبها بالخط الثلث الجلي مع زخرفة نباتية.واللوحة إذاً، تقوم على تكوين خطي بمزيج من الزخرفة حيث تتداخل الحروف العربية ضمن بناء بصري متماسك، يجمع بين قوة الخط وجماليات التشكيل، حيث يسمح الخط الثلث الجلي ضمن خصائصه المعروفة بتداخل الحروف وتركيبها في تكوين فني غني بالحركة والزخرفة.يتجلى ميزان الحرف في اللوحة من خلال العلاقة بين سمك الحروف وامتداداتها وتوزيع الكتلة الخطية داخل المساحة المخصصة للعمل، والأمر يتجاوز تناسب الحروف وأحجامها بل هناك توازن بين سواد الخط وبياض الفراغ، وبين الحركات الأفقية والرأسية للحرف.حرص صقال على بناء وحدة بصرية متكاملة، ما منح اللوحة كثافة فنية واضحة، فجذب عين المشاهد لكي تتحرك بين الحروف في مسارات منحنية أو متعرجة ولكنها متواصلة، ليحرض المتلقي على البحث عن العلاقة التي تربط أجزاء التكوين.ضبط التكوينالفنانة التونسية آمنة كريشان اختارت النص القرآني: «اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» (البقرة: 255)، ونفذتها بالخط المبسوط المغربي الجلي، الذي تأثر بالخط الكوفي ويزخر بتشكيلات جمالية مفردة ومركبة، ويوصف بأنه خط فني منضبط، خاصة في الحروف (الألف واللام والطاء والظاء والضاد، وغيرها).يتأسس التكوين الفني في اللوحة على بناء دائري تتوزع فيه الحروف وفق إيقاع زخرفي متوازن، حيث جمعت الخطاطة بين بين ميزات المبسوط المغربي، بامتداداته الواضحة، وطابعه الهندسي، وبين معالجته على طريقة الجلي التي تمنح الحروف حضوراً بصرياً بارزاً، حيث أبدعت الخطاطة في تحويل الحروف إلى عناصر تشكيلية تتفاعل فيما بينها لتشكل وحدة فنية متكاملة.كتبت الخطاطة «الله لا إله إلا هو» في مركز اللوحة وباللون الأحمر، وأحاطت هذه العبارة القرآنية بعبارة «الحي القيوم» مكررة.اعتمد هذا التكوين على مركز واضح تحتله الكتابة باللون الأحمر، وتحيط به وحدات خطية باللون الأزرق مكونة من تكرار عبارة (الحي القيوم)، وجاء التصميم دائرياً، ما يمنح اللوحة وحدة بصرية آسرة، كما يوجه عين المشاهد من المركز إلى المحيط، ثم يعيد توجيه العين نحو المركز في دورة بصرية متصلة.وتتجلى مهارة الخطاطة آمنة كذلك في الموازنة بين الحروف السميكة والممتلئة والامتدادات الرفيعة التي تنطلق منها كما هو في نهايات حرف الميم في «القيوم»، كما يؤدي تكرار الوحدات الخطية حول المركز دوراً أساسياً في ضبط التكوين. ومن جهة ثانية، تضيف اختلافات أطوال الحروف وانحناء نهاياتها حيوية تكسر التناظر الجامد.ومن المهم أيضاً أن نلتفت في هذه اللوحة إلى مسألة تكرار الوحدات الخطية في عبارة «الحي القيوم» وتوزيع النقاط والتشكيلات باللون الأحمر، حيث لا تؤدي هذه العناصر مجتمعة مجرد وظيفة كتابية، بل تسهم أيضاً في تنظيم المساحات بين الحروف، كما تعزز الترابط بين أجزاء الحرف وتضفي طابعاً زخرفياً على العمل.