ملتقى الخط.. الشارقة تسرد حكاية إبداع عربي

تنوعت الأعمال المشاركة في ملتقى الشارقة للخط، وتعددت تياراتها ومنابعها الفنية والجمالية التي تنهل منها، وتسابق الفنانون في صنع وابتكار مقاربة تعبر عن ثيمة وشعار الدورة الحالية الـ«12»، «ميزان»، كل من موقعه وأسلوبه ما بين «الأصيل»، و«الحديث»، إذ تلتقي هذه التيارات لتجعل من الفنون الإسلامية الخطية والحروفية وفي مجالات التذهيب والزخرفة وغير ذلك حاضرة ومعاصرة تسرد حكاية إبداع عربي استطاع أن يحجز مكانة عظمى بميدان الفنون البصرية العالمية.«الخليج»، التقت بعدد من الفنانين المشاركين في الملتقى والذين أكدوا على المكانة التي باتت تتبوأها الشارقة في ميدان الثقافة بصورة عامة وحقل الفنون بشكل أكبر، إذ عملت الإمارة على الحفاظ عليه، ولم تكتف بذلك بل عززت مكانتها العالمية ودفعت باتجاهاتها وتياراتها إلى الأمام، وكذا الحال بالنسبة لبقية الفنون الإسلامية، إذ صارت الشارقة واحة لكل المبدعين والخطاطين العالميين ومنبراً فكرياً يناقش قضايا وتحديات الخط والإبداعات البصرية الإسلامية الأخرى.الخطاطة دلال القحطاني «الإمارات»، أعربت عن غبطتها بمشاركتها الأولى في الملتقى الذي بات يعد أهم منصة للخط حول العالم إذ يلتقي في رحابه كل محبي هذا الفن من مختلف أنحاء الأرض، لذلك فإنه يجد رعاية وعناية خاصة من إمارة الشارقة ودائرة الثقافة ويتجلى ذلك الأمر في التنظيم المميز والدعوات المفتوحة لجميع الخطاطين في العالم، كما أن الملتقى يهتم بكل أشكال وأنواع الخطوط والاتجاهات الأصيلة والحديثة فيه ولذلك احتشد الملتقى بأعمال كثيرة فاقت الـ 600 عمل ما بين لوحة وتكوين وتجهيز وأعمال زخرفية ومنمنمات وغير ذلك من الإبداعات الفنية البصرية الإسلامية.وأشارت دلال إلى أن الملتقى صار من أكبر التظاهرات الفنية الخطية، ويعمل على القيام بمهام رئيسية في دعم الإبداعات البصرية العربية والإسلامية، فهو يدعم حفظ التراث والهوية بشكل أساسي، وذلك من خلال حماية الخط العربي وبقية الفنون الإسلامية من الضياع والتلاشي، والأهم أنه يؤكد على حضور وبقاء اللغة العربية وهويتها البصرية في قلب الحراك الجمالي والمشهد الفني العالمي.وقالت دلال: «عزز الملتقى من مكانة الشارقة الثقافية، ورسخ بقوة رؤية مشروعها الفكري والثقافي الرائد، لتظل عاصمة حاضنة للإبداع العربي والإسلامي وداعمةً رئيسيةً للفنون الجادة».وذكرت دلال أنها شاركت خلال هذه الدورة بخط الثلث الجلي للآية القرآنية «هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ»، (من سورة البقرة، الآية 187)، إذ تقوم فكرة التصميم على تداخل الحروف والكلمات مع بعضها بعضاً بما يدل على التلاحم والترابط وهو العنوان العريض والدرع الواقية لكل أسرة وفي داخل العمل هناك مسعى لخلق ربط بصري من خلال تكرار الفتحات والكؤوس.**media[8165040]***فيوض روحيةالفنان القدير أيمن سعيد غزال من الفنانين أصحاب المشاركات المتعددة في هذا الملتقى منذ بدايته، وظل يدفع على الدوام بأعمال خطية وتكوينات مختلفة في فكرتها ومعانيها، يشير إلى أن مشاركته خلال هذه الدورة جاءت بعمل بالخط الكوفي المصحفي الذي كان يُكتب في القرن الثاني حتى الثالث والرابع الهجري، وكانت توضع فيه النقاط الحمراء الدائرية للإعراب.وأشار غزال إلى ذلك الدفق الإبداعي العجيب والفيض الفني الذي أفرزته الممارسات الفنية الرفيعة من قبل الفنانين المشاركين في الملتقى، سواء هذا العام أو عبر الدورات السابقة التي صنعت تراكماً رسخ من مكانة الملتقى الذي يُعد بمثابة جسر للتواصل الفني والثقافي بين الخطاطين والفنانين من مختلف دول العالم ومدارسه الفنية، مما يتيح تبادل الخبرات والتجارب والرؤى البصرية في مكان واحد، ويطرح نقاشات جديدة وأخرى متجددة حول التيارات الخطية المختلفة.ولفت غزال إلى أن فن الخط له روحية خاصة ولا يمكن استبداله بأي إبداع آخر، وعلى الرغم من انتشار الخطوط الرقمية التي تُكتب بواسطة الآلة وأجهزة الحاسوب والذكاء الاصطناعي إلا أن كتابة اليد لها روحيتها وأصالتها التي لا تضاهيها آلة.أما جمعة علي البوعيشي «ليبيا»، فهو من أبرز ممارسي هذا الفن الجميل ويعد من محكمي محافل خطية عديدة، وأعرب في مستهل حديثه عن سعادته بتواجده في الشارقة التي أصبحت «بيت الخط»، لما توليه من اهتمام خاص بهذا الفن التاريخي والتراثي.وأوضح البوعيشي أن جميع اللوحات والأعمال الخطية المشاركة في الملتقى رفيعة في مستواها على صعيدي المبنى والمعنى، وبذلك فإن فن الخط العربي يزداد تطوراً وتقدماً، وهذه هي الفائدة العظيمة التي يمنحها الملتقى لهذا الإبداع البصري، وكذلك فإن الأعمال المقدمة تعبر عن مرجعيات مختلفة، إذ لا يقتصر الملتقى على القواعد الكلاسيكية الصارمة للخط، بل يفتح المجال واسعاً أمام الاتجاهات الحديثة والمعاصرة والحروفية، مما يضمن تجدد هذا الفن ومواكبته لروح العصر.*فضاءالفنان ضياء الحق خيال الدين «بنغلاديش»، يشارك في الملتقى منذ عام 2014، بصورة مستمرة، وذكر أنه قدم العديد من اللوحات والأعمال الفنية المستوحاة من القيم الإسلامية الخالدة، إذ إن هذه الملتقيات الخطية تجسد فضاءً فنياً مفتوحاً يعكسُ جمال الخطوط المختلفة في سياق بصري وثقافي متكامل، كما تُبرزُ هذا الفن بوصفه لغة جمالية قادرة على التعبير عن الهوية والبعد الروحي معاً.وأوضح خيال الدين أنه يشارك خلال هذه الدورة بأعمال تنتمي إلى خط الديواني والديواني الجلي، واستطاع أن يبتكر لوحات تعبر عن الروحانية الدينية، فالملتقى بات منصة محفزة للابتكار والإبداع، إذ يوفر بيئة حاضنة للفنانين لعرض أعمالهم أمام جمهور واسع ونقاد متخصصين، فضلاً عن تقديم الجوائز والتكريمات التي تشكل دافعاً معنوياً ومادياً للاستمرار في الإبداع.بينما ذكر الخطاط عبد الجليل شويب «باكستان»، أنه يشارك للمرة الثانية في الملتقى الذي وجد فيه كل محفزات الإبداع والابتكار الفني، لذلك ظل الفنانون المشاركون في كل مرة يقدمون أعمالاً أكثر قوة وأصالة مع العمل بشكل صارم على مقاربة شعار الملتقى في كل مرة، فذلك يصنع تقارباً بين الأعمال ويجعل لها هوية مشتركة.وأوضح شويب أنه كان حريصاً على المشاركة في دورة هذا العام، نظراً للسمعة الدولية التي يتمتع بها الملتقى، فلا توجد معارض أو أنشطة أخرى حول العالم تضم هذا العدد الكبير من الفنانين واللوحات، مما يمكن الفنان نفسه من التعرف إلى آخرين وذلك أمر يدعمه في تطويره لنفسه والارتقاء ضمن هذا الإبداع والوصول إلى مستويات متميزة.يشارك شويب هذا العام بالعمل على «سورة يس»، كاملة باشتغالات خطية متنوعة على رأسها خط النسخ، ويحاول أن يصل في عمله هذا إلى حدود الإتقان، إذ إن أكثر ما يميز الإبداع الخطي، هو أن الخطاط يصنع علاقة روحية قوية مع اللوحة، ومما يجعله يطمح أن يقدم كل ما لديه من إمكانيات فنية.*التحدي الرقميالخطاطة سناء عادل «الأردن»، أوضحت أنها قدمت خلال هذه الدورة خمس لوحات، منها أربع نفذتها بالخط الديواني، وأخرى بالديواني الجلي، وكانت بمثابة تجربة ثرية، عملت خلالها الفنانة على تقديم عصارة تجربتها من أجل أن تنال أعمالها القبول من قبل جمهور فن الخط.والملتقى بالنسبة لسناء مهم جداً لجميع الفنانين لأنه يتيح لهم الانتشار العربي وعلى مستوى الصعيد الإسلامي والعالم ككل، إذ إن من يقدم لوحة في هذا الملتقى فإنه يضمن أن تُعرف على صعيد واسع.وشددت سناء عادل على أهمية الملتقى على المستوى الأكاديمي والتعليمي، إذ يرافق المعارض الفنية تنظيم ندوات فكرية، ومحاضرات، وورش عمل تساهم في نقل أسرار هذا الفن وقواعده إلى الأجيال الجديدة والمهتمين.وأكدت سناء على أن الندوات الفكرية المصاحبة للملتقى تشكل بوصلة نظرية نقدية توجه فن الخط، فهي تعمل على نقله من الممارسة البصرية في المعارض إلى فضاء البحث والدراسة الأكاديمية والفكرية، إذ تلعب الندوات دوراً واضحاً في استعراض قضايا الخط وما يواجهه من تحديات جديدة.وعددت سناء أهم تلك التحديات هي المتعلقة بالرقمنة والتكنولوجيا، إذ ظلت الندوات تطرح مسألة تأثير الخطوط الحاسوبية والتصميم الرقمي في الإبداع الخطي اليدوي، والبحث في كيفية توظيف التكنولوجيا كأداة لخدمة الخط العربي ونشره بدلاً من أن تكون بديلاً يهدد بقاء الخطاط الكلاسيكي، وكذلك المناقشات حول التجديد والحداثة ومكانتهما في فن الخط وحراكه وأهمية الحفاظ على الهوية البصرية.**media[8164342]**