مكتبة الملك فهد تستعيد سيرة الأرض والإنسان

أقامت مكتبة الملك فهد الوطنية، بمناسبة اليوم العالمي للصخور، معرض «من العلا إلى نجران.. تاريخ لا يمحوه الزمان» مقدّمة تجربة ثقافية ومعرفية تستعرض تاريخ الأرض وذاكرة الإنسان، وتكشف كيف تحولت الصخور من تكوينات طبيعية إلى سجلات تحفظ تحولات الطبيعة وآثار الحضارات. وقبل أن تعرف البشرية الورق، كان الحجر صفحتها الأولى نُقشت عليه الأسماء، ووُثقت الأحداث، وتُركت عبره وصايا للزمن. ومن هذه الفكرة ينطلق المعرض، فلا يقدّم الصخور بوصفها كتلًا جامدة، بل صفحات مفتوحة احتفظت بأخبار البحار والغابات القديمة، كما صانت نقوش البشر بعد أن توارت أصواتهم واندثرت تفاصيل حياتهم. وتختصر العبارة المصاحبة للمعرض فلسفته: «الحجر رحلة.. من النسيان إلى الذاكرة، ومن الهباء إلى البقاء، ومن الاندثار إلى الخلود». فحبيبات الرمل التي تتماسك على امتداد ملايين السنين تتحول إلى صخور تحفظ تحولات الأرض، ثم يأتي الإنسان ليجعل منها وسيلة لتسجيل اسمه ولغته ومعتقداته. وتبرز ضمن المعروضات مجموعة من شواهد القبور القادمة من الحجاز، تعود إلى القرون الإسلامية الأولى، ونُقشت على أحجار البازلت والحجر الجيري بخطوط كوفية بارزة وغائرة. وتحمل الشواهد أسماء أشخاص عاشوا قبل أكثر من ألف عام، فتتجاوز قيمتها حفظ الأسماء إلى توثيق تطور الخط العربي وبعض ملامح الحياة الاجتماعية والثقافية في ذلك الزمن. ومن نجران، يعرض المتحف قطعة من الرخام تحمل نصوصًا منقوشة بخط المسند، في إشارة إلى عمق تقاليد الكتابة في جنوب الجزيرة العربية، وإلى وعي الإنسان القديم بأهمية تثبيت أثره ومقاومة الغياب. ولا تقف الرحلة عند التاريخ الإنساني، إذ تضم المعروضات أحافير مرجانية وأنسجة نباتية متحجرة تعود إلى ملايين السنين، وتشهد على بحار وغابات قديمة تبدلت ملامحها بفعل التحولات الجيولوجية والمناخية. ويعزز التصميم البصري هذا المعنى عبر ممرات وأشكال مستوحاة من الشقوق والتكوينات الصخرية، وإضاءة تبرز كل قطعة كما لو كانت صفحة مستقلة من كتاب الزمن، فيما تحضر القصيدة إلى جوار النقش، ويلتقي الأثر المادي بالخيال الإنساني. وفي ختام الرحلة، يدرك الزائر أن الحجر لم يكن صامتًا، بل شاهدًا وفيًا حفظ أسماء غابت، ولغات تبدلت، وبيئات اندثرت. ومن العلا إلى نجران، يروي المعرض حكاية مشتركة للأرض والإنسان، ويؤكد أن بعض الصفحات لا تُكتب بالحبر بل تُنقش على الحجر لتبقى عصيّة على النسيان.