مكة والمدينة.. حرمة لا تُستباح! – د. إبراهيم بن جلال فضلون

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، هناك أشياء يمكن أن تكون محل خلاف، وأشياء يمكن أن تكون موضوعًا للتفاوض، وأشياء يمكن أن تتسع لها السياسة مهما اشتد الصراع، لكن هناك أشياء لا يجوز أن تدخل أصلًا في سوق المساومات.

ولهذا، فإن الصاروخ الذي يتجه نحو مدينة سعودية ليس مجرد قطعة حديد في السماء، والمسيّرة التي تقترب من مكة ليست مجرد هدف عسكري، والاعتداء على منشأة تخدم المدينة المنورة ليس حادثًا عابرًا في سجل حرب إقليمية، إننا نتحدث عن حدود تمس حرمة المكان، وأمن الإنسان، وحق المسلمين في العبادة، وهيبة الدولة التي تحمل مسؤولية حماية أقدس بقاع الأرض، وهنا يجب أن تكون الكلمة واضحة بلا مواربة: (من يهدد الحرمين لا يهدد السعودية وحدها.. ومن يروّع ضيوف الرحمن لا يعتدي على مواطن سعودي وحده.. ومن يجعل مكة أو المدينة جزءًا من حساباته العسكرية يضع نفسه في مواجهة مع قضية تتجاوز السياسة والجغرافيا).

حين أعلنت السعودية في سبتمبر 2026 اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، لم يكن الخبر مجرد تطور عسكري آخر، بل كان الخبر يحمل سؤالًا أكبر: كيف يمكن أن يصبح محيط مكة المكرمة أو المدينة مسرحًا لأي تهديد عسكري أصلًا؟، فمجرد اقتراب تهديد جوي من محيط الحرمين يفرض أعلى درجات اليقظة؛ لأن المكان ليس عاديًا، والزمان ليس عاديًا، والناس الذين يوجدون في ساحاته، ليسوا مجرد تجمع سكاني عادي.

هنا ملايين المسلمين الذين جاؤوا من أقصى الأرض بحثًا عن السكينة والعبادة، بل وهنا إنسان ترك وطنه، ودفع من ماله، وانتظر سنوات وربما عقودًا ليصل إلى بيت الله الحرام، فهل يمكن أن يصبح هؤلاء رهائن في معادلة صراع؟.. لا، وهذه الـ»لا» ليست موقفًا سياسيًا، بل منطق إنساني وشرعي وأخلاقي ضد الإرهاب الإيراني بأنواعه.

المسألة ليست بحاجة إلى اختراع مبررات جديدة، فالقرآن تحدث عن المسجد الحرام بلغة لا تحتمل الالتفاف: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.. تأملوا التعبير القرآني بسورة الحج: {يُرِدْ}.

ليس فقط من يرتكب الاعتداء، وإنما حتى إرادة الإلحاد بالظلم في هذا الموضع جاءت مقرونة بالوعيد، فكيف بمن يحول أدوات الحرب إلى وسيلة لتهديد مكة أو أهلها أو زوارها؟، وكيف بمن يضع ملايين المسلمين أمام احتمال الخوف وهم يؤدون الصلاة أو الطواف أو السعي؟. إن حرمة مكة ليست قرارًا سياسيًا سعوديًا حتى يختلف عليها هذا الطرف الإرهابي أو ذاك، إنها حرمة شرعية ثابتة، ولهذا فإن من يحاول تحويل المقدسات إلى أوراق ضغط سياسية لا يغير من حقيقة المكان شيئًا؛ وإنما يكشف عن خطورة المنهج الذي يتعامل مع المقدس باعتباره ورقة في صراع السلطة.

وإذا كانت مكة هي قبلة المُسلمين، فإن المدينة المنورة تحمل مكانة لا تقل عمقًا في وجدان الأمة، ولهذا فإن الحديث عن استهداف منشأة كهربائية في المدينة المنورة، كما أعلنت قيادة التحالف في 1 أكتوبر 2026، يجب ألا يمر كخبر اقتصادي عن محطة كهرباء، فالتحالف قال إن الهجوم استهدف محطة توزيع تخدم منشآت مرتبطة بالمسجد النبوي، وقال إن تحليل حطام المسيّرة قاد إلى نسبة الهجوم للحوثيين.

وهنا مرة أخرى تأتي أهمية الدقة، لا نحتاج إلى مبالغة حتى ندرك خطورة القضية. ففي المدن التي تستقبل ملايين الزوار، كل منشأة حيوية هي جزء من منظومة الأمن والسلامة، ولهذا فإن استهداف البنية التحتية المدنية، لا يصيب منشأة فقط؛ بل يضرب منظومة الحياة الآمنة التي يحتاجها السكان والزوار والحجاج والمعتمرون.

قد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف الدول في المصالح، وقد تتصارع الحكومات، وقد تمتد الحروب سنوات، لكن هناك قواعد وضعها القانون الدولي، وهناك قبل ذلك قيم دينية وإنسانية لا تحتاج إلى مفاوضات، فمجلس الأمن الدولي أدان في أبريل 2022 ما وصفه صراحة بـالهجمات الإرهابية العابرة للحدود التي شنها الحوثيون ضد السعودية في 20 و25 مارس، وقال إنها أصابت بنية تحتية مدنية حيوية، وطالب باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين والأعيان المدنية، كما أن لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن وصفت في ملخصها الرسمي جماعة الحوثيين بأنها نفذت هجمات إرهابية عابرة للحدود استهدفت مدنيين وبنية تحتية مدنية في السعودية، إلى جانب هجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، هذه ليست أوصافًا اخترعها كاتب رأي، بل هي وقائع موثقة في سجلات الأمم المتحدة، وهنا يجب أن يتوقف البعض عن محاولة تجميل الكلمات، فعندما تستهدف جماعة مسلحة إرهابية كميليشيا الحوثيين مدنًا ومنشآت مدنية عبر الحدود، فإن استخدام لغة سياسية ناعمة لا يغير طبيعة الفعل.

الإرهابي الحوثي.. والسؤال الذي يجب ألا نهرب منه

المشكلة في الحوثيين لا تكمن فقط في امتلاك الصواريخ والمسيّرات، بل المشكلة الأعمق هي تطبيع فكرة استخدام القوة العابرة للحدود لتحقيق أهداف سياسية، وهذا أخطر من الصاروخ نفسه، لأن الصاروخ يمكن اعتراضه، أما الفكرة التي تبرر إطلاق الصاروخ على المدن والمنشآت المدنية، فإن مواجهتها تحتاج إلى وعي سياسي وديني وإعلامي طويل المدى لهذه المجموعة الإرهابية، والأخطر من ذلك أن تتحول الجماعات المسلحة إلى كيانات تمتلك قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة، وهنا لا يعود الخطر يمنيًا فقط، بل يصبح خطرًا على السعودية، وعلى الخليج، وعلى البحر الأحمر، وعلى التجارة العالمية، وعلى أمن المنطقة العربية كلها، إذ حذرت الأمم المتحدة في 2022 من أن التصعيد الحوثي خارج اليمن، مع الهجمات على السعودية والإمارات، قد يدفع الصراع إلى مزيد من الخروج عن السيطرة.

وهنا أقولها بوضوح: «السعودية عندما تحمي مكة والمدينة لا تحمي أرضًا سعودية فحسب؛ إنها تؤدي مسؤولية تتصل بمئات الملايين من المسلمين»، ولهذا فإن الدور الذي تقوم به القوات المسلحة السعودية، وقوات الدفاع الجوي، ووزارة الداخلية، وأمن الحج والعمرة، والدفاع المدني، والاستخبارات، والجهات الصحية والمدنية، ليس عملًا أمنيًا منفصلًا، بل هو (منظومة حماية للحياة والعبادة)، فالدفاع الجوي يعترض التهديد، الأجهزة الأمنية تلاحق مصادر الخطر، الجهات الاستخبارية تحاول اكتشاف الخطر قبل وصوله، أمن الحج والعمرة يحمي الحشود، الدفاع المدني يستعد للطوارئ، والجهات المدنية تضمن استمرار الحياة والخدمات... كل ذلك ليس من عمل مؤسسات تعمل منفردة، بل إنها جدار واحد، والجدار الذي يحمي الحرمين يجب أن تكون كل لبنة فيه يقظة.

وهنا يجب أن نفرق بين القوة والفوضى، فالقوة الحقيقية ليست في إطلاق التهديدات، وليست في رفع سقف الشعارات، وليست في تحويل كل حادث إلى حرب مفتوحة. فالقوة الحقيقية هي: (أن يعرف المعتدي أن محاولته لن تحقق هدفها وأن يُكتشف قبل أن يصل. وأن يُعترض قبل أن يصيب وأن تُحمى المنشأة قبل أن تتعطل وأن يُحمى الحاج قبل أن يشعر بالخطر وأن تعرف الدولة كيف تردع دون أن تسمح للمعتدي بجرها إلى المكان الذي يريده).. ذلك هو الردع، وهو أكثر أهمية من الغضب.