في هذه الأيام التي تسبق موسم الحج، حيث رفع مستوى الجاهزية من قبل كل الجهات، تتحول مكة المكرمة إلى ملتقى لمكاتب شؤون حجاج عشرات الدول الإسلامية والعربية، في حضور قوي، وأدوار تنظيمية وخدمية لحجاج كل دولة، حيث تقدم هذه المكاتب الخدمات الإدارية الإشرافية على إسكان وتنقل وإعاشة الحجاج، إضافة إلى الخدمات الصحية والإسعافيه، والتوجيهية. وتظل أحياء النسيم والعزيزية بمكة المكرمة، ملتقى لهذه المكاتب الدولية، لقربها من المشاعر المقدسة، وإمكانية الوصول إليها عبر الطرق الدائرية. ومن واجهات بنايات تلك المكاتب وأعلامها الرسمية، تكتشف اسم الدولة، فيما تتحول تلك المواقع بلغاتها ولهجاتها، وأزيائها، إلى بيئة مصغرة لدولة الحجاج. ففي فترة كل موسم حج تنفرد أم القرى، بأنها مجمع دولي لبعثات دولية، تشترك في مهام الإشراف والخدمة على الحجاج، فيما ثمة ملامح لتعاون إنساني وعلاقات استثنائية على ثرى مكة الطاهر. تعاون دولي متخصصون في خدمات الحج والعمرة، أوضحوا للرياض أن تواجد هذه المكاتب يسهم في بناء روابط إنسانية، وعلاقات واسعة، تمتد إلى ما بعد الموسم، ويعكس ملامح مضيئة للتعاون الإنساني الدولي، الذي يقرب بين الشعوب، والثقافات، وكأنه صورة مصغرة لوحدة عالمية في أيام معلومات. تبادل الأفكار حسين صادق" متخصص خدمات حج" لفت الانتباه إلى أن تواجد مكاتب شؤون حجاج كثير من الدول، ساهم في تبادل الأفكار والتجارب في إدارة وصناعة خدمات الحجاج، فكثير من تلك المكاتب تقتنص تجارب وأفكار إدارية، في الإسكان والنقل، والتفويج، والتصعيد، والجولات السياحية، من خلال قربها من مكاتب دولية أخرى. رفع الاحترافية في ذات الاتجاه ألمح فهد شريف "مشرف" إلى أن تواجد وتجاور مكاتب شؤون الحجاج يحقق رفع مستوى الاحترافية الإدارية نتيجة الاحتكاك المستمر وتبادل المعرفة، ويعتبر قناة مهمة لتكوين خبرات تراكمية دولية في إدارة الحشود والخدمات الموسمية، فضلاً عن انه مظلة سنوية لتعزيز روح الأخوة الإسلامية والتقارب بين ممثلي الدول الإسلامية. الدكتورة ولاء بنت عبدالله المتخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية قالت لـ"الرياض": "في أدبيات العلاقات الدولية، تُصنف مكة المكرمة خلال موسم الحج كأحد أهم مراكز إنتاج القوة الناعمة الدينية في العالم الإسلامي. فالحج لا يمثل مجرد شعيرة تعبدية، بل فضاءً تتقاطع فيه النخب الدينية، والإدارية، والاقتصادية، والفكرية، والثقافية، والإعلامية القادمة من أكثر من مئة دولة"، وأضافت: "هذا التجمع يمنح مكة قدرة استثنائية على التأثير في تشكيل الوعي الجمعي الإسلامي، ليس عبر الخطاب السياسي المباشر، وإنما من خلال إدارة التجربة الحضارية للحج؛ بدءًا من التنظيم، مرورًا بالخدمات الذكية، وانتهاءً بالرسائل القيمية المرتبطة بالاعتدال والتسامح والتعايش. ولفتت الدكتورة ولاء إلى أن استثمار هذا الملتقى يمكن من خلال تحويل الحج إلى منصة اتصال استراتيجي متعددة المسارات (Multi-track Diplomacy)، تشمل الإعلام الدولي، والمنتديات الفكرية، وبرامج التواصل بين الوفود الرسمية وغير الرسمية، بما يعزز من صورة المملكة كمركز قيادي للحضارة الإسلامية المعاصرة. ولمكاتب شؤون الحجاج مكة المكرمة أدوار مهمة في بناء قنوات تواصل دبلوماسية موازية للعلاقات الرسمية، كما تشير الدكتورة ولاء بنت عبدالله بقولها:" في العلوم السياسية، يُعرف هذا النموذج بـTrack Two Diplomacy أو الدبلوماسية غير الرسمية. مكاتب شؤون الحجاج تخلق بيئة طبيعية للتواصل بين ممثلي الدول بعيدًا عن التعقيدات البروتوكولية الرسمية، حيث تسهم هذه التفاعلات في بناء الثقة المؤسسية بين الدول الإسلامية، وخلق قنوات اتصال غير مباشرة في حالات التوتر السياسي، وتطوير شراكات ثقافية وتعليمية ومجتمعية طويلة المدى، وتعزيز تبادل الخبرات الإدارية والتنظيمية، والأمنية والخدمية، ومن هنا، فإن الحج لا يقتصر على كونه موسمًا دينيًا، بل يمكن اعتباره منصة دبلوماسية موسمية عالية التأثير. مكتب شؤون حجاج إندونيسيا