مقدمة كمال جنبلاط في أضواء على مسلك التوحيد: السياق والبنية والمضمون

في كتاب أضواء على مسلك التوحيد (الموحدون الدروز)، للباحث سامي نسيب مكارم، الصادر عن دار صادر في بيروت سنة 1966، تتجاوز مقدمة كمال جنبلاط وظيفتها التقليدية كمدخل شكلي، لتصير نصًا فكريًا قائمًا بذاته، يمتد على مساحة واسعة من العمل ويحتفظ باستقلال نسبي في بنيته ومضمونه. فهي تقدّم إطارًا معرفيًا وتأويليًا يعين القارئ على استيعاب الأسس التي يقوم عليها الكتاب، حتى تبدو في كثير من مواضعها دراسة متكاملة لا مجرد تمهيد له.

تنبثق هذه المقدمة من سياق فكري ارتبط بصدور كتاب مذهب الدروز والتوحيد لعبد الله النجار وما أثاره من نقاش في الأوساط الثقافية والدينية. غير أن جنبلاط يتجنب السجال المباشر مع صاحبه، ويختار مستوى آخر من الحوار، فيعيد بناء منطلقات النقاش بدل الاكتفاء بالرد على نتائجه. من هنا يتأسس خطابه على معالجة الفكرة بالفكرة، بلغة هادئة تستبدل الجدل بالتأمل، وتفتح أمام القارئ مجالًا لإعادة النظر في المسلَّمات قبل إصدار الأحكام.

ويتسع هذا السياق الفكري إلى أفق وطني وإنساني أرحب. فقد كُتبت المقدمة في منتصف ستينيات القرن العشرين، وهي مرحلة شهد فيها لبنان تصاعدًا تدريجيًا للنقاشات المتعلقة بالهوية والانتماء. وفي هذا المناخ، يقدّم جنبلاط التوحيد رؤية إنسانية منفتحة، قادرة على الجمع بين خصوصية الانتماء واتساع الأفق الإنساني، من دون أن يتحول أحدهما نقيضًا للآخر.

بنيويًا، تتسم المقدمة بتنظيم داخلي واضح، ينتقل من المبادئ العامة إلى القضايا الأكثر خصوصية عبر تدرج منطقي تتولد فيه الأفكار من بعضها. وبذلك لا يقتصر دورها على عرض المفاهيم، بل تصوغ مسارًا يرافق القارئ خطوة بخطوة، وإن كانت كثافتها الفلسفية تستدعي من غير المتخصص قراءة متأنية لاستيعاب تشابك موضوعاتها.

أما لغتها، فتقوم على توازن دقيق بين الصرامة الفكرية والنبرة التأملية: لا تنزلق إلى الجفاف الأكاديمي، ولا إلى الإنشاء الخطابي، بل تقترب من الكتابة الفلسفية الإشارية التي تُؤْثر الإيحاء على التقرير، وتفتح النص على أكثر من مستوى قراءة.

وفي مستوى المضمون، يطرح جنبلاط التوحيد مسلكًا معرفيًا وأخلاقيًا قبل أن يكون مفهومًا عقائديًا؛ فهو عنده تجربة داخلية تتجدد بقدر ما يتعمق وعي الإنسان بنفسه وبالعالم، مسار يتخطى حدود التعريفات المجردة نحو علاقة أوسع بين الإنسان والوجود. وتتفرع عن هذا الفهم رؤية تكاملية للعقل والروح، إذ لا يُمنح أحدهما السيادة على الآخر، فالعقل يزوّد الإنسان بأدوات الفهم والتمييز، بينما يهب البعد الروحي تلك المعرفة معناها الإنساني والأخلاقي، فتنبثق الحقيقة من تفاعلهما لا من انفراد أحدهما.

كذلك يتناول جنبلاط مفهوم التقمص برؤية أخلاقية، فيربطه باستمرار المسؤولية الإنسانية وعدالة النظام الكوني، أكثر من ربطه بالتصورات الحرفية المتداولة، تاركًا عمدًا مساحة للتأويل بدل الصياغات القطعية؛ وهو ما يثري النص، وإن كان يفرض على القارئ مشاركة أكبر في إنتاج المعنى.

ومن أفكاره المحورية أيضًا تأكيد وحدة الحقيقة مع تعدد طرائق التعبير عنها، بحيث لا يُفهم الاختلاف الديني أو المذهبي تناقضًا بالضرورة، بل تنوعًا في مقاربة الحقيقة الواحدة. بهذا التصور، يرسي جنبلاط رؤية منفتحة على الحوار، تدعو إلى البحث المشترك عن المعنى بدل التحصّن خلف الحدود الفاصلة بين الجماعات.

ولا تقف وظيفة المقدمة عند عرض هذه التصورات، فهي ترسم الإطار المرجعي الذي تُقرأ في ضوئه صفحات الكتاب كلها، وتشكّل بذلك أفق التلقي عند القارئ، فتغدو عنصرًا مكمّلًا للمتن لا مجرد بوابة إليه.

في المحصلة، تُعد مقدمة كمال جنبلاط من أبرز المقدمات الفكرية في الكتابة العربية الحديثة، لما تجمعه من تماسك بنيوي وعمق فلسفي ورؤية إنسانية منفتحة. فهي لا تُهيئ القارئ لدخول الكتاب فحسب، بل تدفعه إلى إعادة التفكير في مفاهيم التوحيد والمعرفة والحقيقة، بما يجعلها نصًا حيًا قابلًا لتجدد القراءة. ويبقى السؤال مشروعًا: إلى أي حد استطاع جنبلاط أن يجعل من المقدمة عملًا فكريًا مستقلًا، مع احتفاظها بوظيفتها مفتاحًا للمتن الذي تمهّد له؟

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.

يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.

كمال جنبلاط: من عينطورة إلى المختارة... حيث بدأت رحلة الفكر

ربع قرن من النضال... حين كتب كمال جنبلاط سيرة حزبٍ وأمة

بين "هذه وصيتي" و"قدر في هذا المشرق": من مشروع الدولة إلى اختبار التاريخ

حين تتحول الزعامة من إرث اجتماعي إلى سؤال أخلاقي