مقام الرجال لا تصنعه الألقاب – رمضان جريدي العنزي

احترم الرجال الذين إذا قالوا ثبتوا، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا عاهدوا صدقوا، وإذا اتخذوا موقفًا لم تقتلعهم منه رياح المصالح، ولم تُمل عليهم أهواؤهم موقفًا جديدًا كلما تغيّرت الظروف؛ فالرجولة عندي ليست مظهرًا يُرى، ولا صوتًا يعلو، ولا لقبًا يُسبق به الاسم، ولا منصبًا يزول بزوال كرسيه، وإنما معدنٌ تكشفه الأيام، وموقفٌ تمتحنه الشدائد، وكلمةٌ يعرف صاحبها ثمنها قبل أن ينطق بها، لا يعنيني كثيرًا ما يقوله الرجل عن نفسه، ولا ما يرويه عن تاريخه، ولا ما يفاخر به من اسمه وإرثه ومكانته؛ فالرجال لا تصنعهم الحكايات التي يروونها عن أنفسهم، وإنما تصنعهم المواقف التي يرويها عنهم الآخرون. وكم من رجلٍ ملأ المجالس حديثًا عن الوفاء، فلما جاء موضع الوفاء كان أول المتراجعين، وتحدث طويلًا عن الشجاعة، فلما حضر الموقف كان أول المختبئين خلف الأعذار، أحترم الرجل الواضح الذي تعرف أين يقف، وماذا يريد، وما الذي يقبله وما الذي يرفضه؛ لا يحمل لكل مجلس وجهًا، ولا لكل مصلحة رأيًا، ولا لكل شخص لسانًا، يقول الكلمة وهو قادر على حمل تبعاتها، ويعد وهو يعلم أن الوعد دَين، ويصافحك على موقف فلا تحتاج بعد مصافحته إلى شاهدٍ أو وثيقة، لأن كلمته عنده أثقل من أن يعبث بها، وكرامته أعز من أن يبيعها عند أول منعطف، أما المتلوّن، فلا وزن له عندي وإن أحاط نفسه بالألقاب، ولا هيبة له وإن علت مكانته، ولا قيمة لكلمته وإن زيّنها بالفصاحة، فمن يغيّر مواقفه بتغيّر مصالحه لا يملك موقفًا من الأصل، ومن ينقض اليوم ما أقسم عليه بالأمس لا تنقصه الذاكرة، بل ينقصه الثبات، وبعض الرجال لا تعرف حقيقتهم في أيام الرخاء، لأن الرخاء يتّسع للجميع، والكلام الجميل يجيده الكثير، والوعود حين لا يكون لها ثمن سهلةٌ على الألسنة، وإنما تعرف الرجال عندما تصبح للكلمة كلفة، وللوفاء ضريبة، وللموقف ثمن، هناك تحديدًا تتساقط الأقنعة، وتصمت الادعاءات، ويظهر كل معدنٍ على حقيقته، لهذا لا أُكثر العتاب على من خذل موقفه، ولا أطارد المتلوّن بالسؤال: لماذا تغيّرت؟ ولا أستنزف نفسي في تفسير التناقضات، فبعض الأجوبة تقولها الأفعال بوضوحٍ يغني عن ألف سؤال، يكفيني موقفٌ واحد صادق لأعرف قدر رجل، وقد يكفيني موقفٌ واحد مخزٍ لأعيد النظر في سنواتٍ كاملة من المعرفة، ومن يسقط من عيني بسبب موقفٍ كشف معدنه، لا ترفعه عندي كثرة الأعذار، ولا براعة الاعتذار، ولا استدعاء ذكريات السنين، لن بعض المواقف ليست خطأً عابرًا، وإنما نافذةٌ فُتحت فجأة فرأيت منها ما كان مستورًا، وحين ترى الحقيقة كاملة، يصبح من العبث أن تغلق النافذة وتُقنع نفسك أنك لم تر شيئًا، فالرجولة ليست ادعاءً يُقال، بل التزامٌ يُحمل، وليست قسوةً ولا ارتفاع صوت، بل صدقٌ عند الاختبار، ووفاءٌ عند الحاجة، وثباتٌ حين تتزاحم المصالح، والرجل الحقيقي لا يحتاج في كل مجلس أن يخبر الناس بأنه رجل؛ فمواقفه تتحدث عنه قبل أن يتحدث، ووفاؤه يسبقه، وكلمته تشهد له، والناس تعرف المعادن ولو طال عليها الزمن، وأشد ما يُسقط الرجل عندي أن يبيع مبدأه ليشتري مصلحة، وأن يهدم تاريخًا من الاحترام من أجل مكسبٍ عابر، وأن يظن أن الناس لا تلاحظ تقلّبه، فيمدح اليوم ما ذمّه بالأمس، ويخاصم غدًا من كان يتملقه اليوم، ثم يتحدث عن المبادئ وكأنه لم يترك منها شيئًا على قارعة المصلحة، وقد أعذر الرجل في اجتهادٍ أخطأ فيه، وأتجاوز عن كلمةٍ زلّ بها، وأقبل اعتذارًا صادقًا عن تقصيرٍ عابر؛ فالإنسان ليس معصومًا، لكنني أفرّق جيدًا بين الخطأ وبين المعدن، وبين الزلة وبين الخيانة، وبين مراجعة الموقف عن قناعة وبين تبديله طلبًا للمنفعة، فالأول يُراجع نفسه، والثاني يُراجع اتجاه الريح، وفي النهاية، لا تبقى للرجال إلا مواقفهم، تذهب المناصب، وتبهت الصور، وتصمت المجالس، وتتبدل الأحوال، ولا يبقى من الإنسان إلا ما حفظه الناس له من صدقٍ ووفاءٍ ومروءة، فالرجال عندي لا تكبر بأسمائها، بل بمواقفها، ولا تسقطها الأيام، بل تُسقطها أفعالها، ومن باع ثباته من أجل مصلحة، وباع صدقه لإرضاء غروره، فلا يلومنّ أحدًا إذا وجد نفسه يومًا خارج القلوب؛ فبعض السقوط لا صوت له، لكنه نهائي، وبعض الأبواب إذا أغلقتها المواقف، لا تفتحها ألف كلمة اعتذار.