في مقابلة حصرية أجراها الإعلامي الأميركي بريت باير مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وبثتها شبكة «فوكس نيوز» في 24 سبتمبر 2026، قدمت طهران رسالتها السياسية في لحظة مفصلية من الحرب مع الولايات المتحدة، مؤكدة أنها لا تريد استمرار الصراع، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات تحت وطأة الضغط العسكري والاقتصادي. وبين نفي السعي إلى امتلاك سلاح نووي، والاستعداد المعلن لتخفيف مستوى التخصيب والسماح بالتحقق الدولي، برزت إشارة واضحة إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. وأكد بزشكيان أن إيران لا تسعى إلى امتلاك قنبلة نووية، مستنداً إلى ما وصفه بفتوى دينية تحظر أسلحة الدمار الشامل، قبل أن ينتقل إلى الجانب العملي بإبداء استعداد طهران لتخفيف مستوى تخصيب اليورانيوم والسماح بعمليات تحقق دولية من برنامجها النووي. وتمثل هذه النقطة إحدى أبرز الإشارات التي يمكن أن تشكل أساساً لمسار تفاوضي جديد، رغم بقاء تفاصيل آليات التحقق ومستواه وشروطه موضع خلاف بين الطرفين. وفي الجانب السياسي، قال الرئيس الإيراني إن بلاده لا تريد الحرب، لكنه رفض تحميل طهران مسؤولية اندلاعها، معتبراً أن الحرب «فُرضت» على إيران، ومشيراً إلى أن قرار إنهاء الصراع يبقى في يد واشنطن. وفي المقابل، شدد على استمرار ما وصفه بـ«المقاومة» في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية والعقوبات، في موقف يعكس رغبة طهران في التفاوض من موقع لا ترى فيه نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات مسبقة. ولم تكن تصريحات بزشكيان معزولة عن تحرك دبلوماسي موازٍ؛ إذ كشفت طهران، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عن مقترح أميركي–إيراني جديد يستهدف إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات لإنهاء الحرب. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده نقلت إلى واشنطن، عبر وسطاء، خطة تمتد سبعة أيام، تنتهي بإعادة فتح المضيق في اليوم السابع، على أن يبدأ احتساب المدة من اليوم التالي لقبول المقترح. ويأتي ذلك بعد اتصالات غير مباشرة ومكثفة بين الجانبين، شملت لقاء عراقجي بالمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بوساطة قطرية. وبينما وصف مسؤول في البيت الأبيض المحادثات بأنها «إيجابية وبناءة»، حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من اعتبارها اختراقاً كبيراً، بما يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين بشأن شروط التسوية النهائية. وتطالب طهران، بحسب التقارير، بوقف العمليات القتالية، ورفع الحصار البحري الأميركي، وتخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، إضافة إلى الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تقدر بنحو 12 مليار دولار أو أكثر. وفي المقابل، يفترض أن تبدأ مفاوضات الملف النووي بعد إعادة فتح المضيق. وتكشف هذه المعادلة عن اختلاف جوهري في ترتيب الأولويات. فإيران تريد، وفق الطرح المطروح، تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية وفتح الممر الملاحي أولاً، قبل الانتقال إلى المفاوضات النووية، بينما تتمسك واشنطن بإبقاء البرنامج النووي في قلب أي اتفاق جديد، بما يجعل ترتيب الخطوات نفسه جزءاً من التفاوض. ويحتل مضيق هرمز موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، ليس باعتباره ممراً مائياً فحسب، وإنما كورقة ذات تأثير مباشر على أمن الطاقة العالمي. فتراجع حركة الملاحة عبر المضيق انعكس على أسواق النفط والغاز ورفع مستوى المخاوف بشأن الإمدادات والأسعار، ما يجعل إعادة فتحه قضية تتجاوز حدود المواجهة الأميركية–الإيرانية إلى الاقتصاد العالمي. وفي المقابلة، تطرق بزشكيان أيضاً إلى علاقة إيران بالقوى المسلحة في المنطقة، مؤكداً وجود اتصالات مع أطراف وصفها بـ«المقاومة»، ويظل هذا الملف، إلى جانب البرنامج النووي والعقوبات، أحد الملفات التي يمكن أن تؤثر في أي تسوية أوسع بين واشنطن وطهران. ويستند التحرك الحالي إلى تفاهم سابق أُبرم في يونيو، كان يتضمن وقف العمليات العسكرية وفتح الملاحة في مضيق هرمز وإعفاءات مرتبطة بصادرات النفط، لكنه انهار لاحقاً نتيجة خلافات حول ترتيبات الملاحة والملف النووي. وبين مقابلة بزشكيان ومقترح الأيام السبعة، تبدو طهران أمام محاولة مزدوجة لإعادة صياغة مسار الأزمة: إظهار استعداد للتفاوض في الملف النووي، وربط تخفيف التصعيد وإعادة فتح هرمز بتهيئة الظروف اللازمة للعودة إلى طاولة الحوار. وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام اختبار يتمثل في مدى قدرتها على تحويل الاتصالات غير المباشرة إلى إطار تفاوضي قابل للاستمرار. وفي نهاية المطاف، لن يكون فتح مضيق هرمز سوى الخطوة الأولى في مسار أكثر تعقيداً؛ إذ ستظل الملفات النووية والعقوبات والأمن البحري والنفوذ الإقليمي وترتيبات ما بعد الحرب حاضرة على طاولة أي مفاوضات مقبلة. ولذلك فإن الأيام السبعة المقترحة قد تكون اختباراً أولياً لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسوية سياسية مستدامة.