تعتبر مدينة الرياض من المدن الرائدة في مفهوم الأنسنة وأبعاده ومجهودات الأنسنة والتي بدأت بمبادرة صاحب السمو الأمير عبدالعزيز بن عياف والذي أطلق العنان ووضع أسسها الأولية، ومن ثم استمر في قيادتها والتشجيع لاستكمال أبعادها الأساسية من خلال مؤلفاته في الادارة البلدية. وبينما يختزل البعض موضوع الأنسنة على أنه مناط فقط بالتشجير والتجميل للمدن ، إلا أنه منظور قاصر وهو ما يحاول سمو الأمير تصحيحه من خلال كتبه، وهو نموذج اتبعته معظم مدن المملكة.
ومن هنا، ظهرت «نظرية الأنسنة الرقمية الذكية»، التي طوّرها د. عبدالله الفايز في كتابه، لتقديم فهم شامل للأنسنة بوصفها إطارًا متكاملًا ومنصة رقمية لتنظيم الحوكمة والتنمية الحضرية والخدمات العامة والتكنولوجيا والإدارة البيئية حول أمن وكرامة الإنسان ورفاهيته وجودة حياته.
وهي أحد مكونات وأهداف رؤية المملكة 2030 وبرنامج جودة الحياة. وتتجاوز النظرية التركيز على التصميم المادي للمدن الجذابة والخضراء والصديقة للمشاة، لتشمل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية والثقافية والبيئية والتكنولوجية التي تتفاعل مجتمعةً في تشكيل حياة الإنسان. وتوفر أبعادها الثمانية بنيةً مقترحة للنظرية، تجمع بين توجهها المتمحور حول الإنسان وتطبيقاتها في منصة رقمية ذكية للتنسيق والحوكمة الرقمية والتخطيط الحضري الذكي.
وتشكل هذه الأبعاد مجتمعةً، والتي سيتم تفصيلها، إطارًا مقترحًا لتقييم مدى إسهام ترتيبات الحوكمة والبيئات الحضرية والخدمات العامة والبنية التحتية والتقنيات الرقمية في تلبية الاحتياجات الأنسنة الحقيقية. بل ينبغي تقييمها في ضوء الظروف المتكاملة التي تمكّن الأفراد والمجتمعات من العيش بأمان، وممارسة حقوقهم، والحصول على الخدمات الأساسية، والمشاركة في صنع القرار، والحفاظ على هويتهم، وتطوير قدراتهم، والتمتع ببيئة صحية ومستدامة. وتهدف النظرية إلى تحويل هذه المبادئ إلى معايير عملية للتخطيط، ومسؤوليات مؤسسية، ونتائج قابلة للقياس في النظم الحضرية والوطنية والرقمية.
حيث أصبح السؤال الأهم: هل ستجعل هذه التحولات حياة الإنسان أفضل وأكثر أمناً وراحة وعدلاً، أم أنها ستزيد التعقيد والاعتماد على التكنولوجيا من دون أن تحقق بالضرورة تحسناً حقيقياً في جودة الحياة؟ إن التقدم التقني في حد ذاته لا يضمن التقدم الإنساني. فقد تمتلك مدينة أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي، وشبكات اتصال متقدمة، ومركبات ذاتية القيادة، وخدمات حكومية إلكترونية، ومع ذلك قد يعاني سكانها من الازدحام المروري، وصعوبة الحصول على السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف التواصل الاجتماعي، أو عدم تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والخدمات. وقد تنجح مؤسسة في إنجاز المعاملات بسرعة أكبر، لكنها لا تحقق العدالة إذا كانت أنظمتها تستبعد فئات من المجتمع أو تتخذ قرارات يصعب فهمها أو الاعتراض عليها. المعيار الأهم هو ما إذا كانت التكنولوجيا تسهم في تحسين الحياة اليومية، وتوفير الوقت والجهد، وتوسيع الفرص، وحماية الحقوق، وتعزيز الأمان والعدالة، والمحافظة على البيئة، وتمكين الإنسان من العيش بكرامة وحرية ومسؤولية.
الأنسنة ليست أشجاراً وحدائق فقط فعندما نتحدث عن أنسنة المدن يتجه التفكير غالباً إلى العناصر المرئية في البيئة العمرانية، مثل الحدائق والأشجار والممرات المخصصة للمشاة والساحات العامة والشوارع النظيفة والمباني الجميلة. ولا شك أن هذه العناصر ضرورية، فهي تحسن الصحة العامة، وتوفر فرصاً للراحة والتفاعل الاجتماعي، وتزيد جاذبية المدينة وقدرتها على استيعاب أنشطة الحياة اليومية.
لكنها لا تمثل سوى جزء من مفهوم الأنسنة، ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها للحكم على مدى إنسانية المدينة أو نجاحها. فالمدينة قد تكون خضراء وجميلة، لكن سكانها يضيعون ساعات طويلة في الازدحام، أو يجدون صعوبة في الوصول إلى المدارس والمستشفيات، أو يتحملون تكاليف مرتفعة للسكن والتنقل، أو يواجهون خدمات عامة بطيئة وغير متجاوبة. وقد تتوافر فيها مرافق حديثة، لكنها لا تراعي احتياجات كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو الأطفال أو الأسر محدودة الدخل. فالأنسنة الحقيقية تشمل جميع الظروف التي تؤثر في حياة الإنسان وكرامته وقدرته على المشاركة في المجتمع والوصولية.
فهي تبدأ بالأمن والسلامة، وتمتد إلى التعليم والصحة والسكن والنقل والعمل والخدمات العامة، وتشمل العدالة في توزيع الفرص، واحترام الحقوق والخصوصية، وتيسير الوصول إلى المرافق، وتوفير بيئة صحية، ودعم الروابط الاجتماعية والثقافية، ووجود مؤسسات تستمع إلى الناس وتستجيب لاحتياجاتهم. وتظهر أهمية هذا الفهم عندما ننظر إلى العلاقة بين عناصر الحياة المختلفة. فوجود حديقة قريبة لا يحقق فائدتها كاملة إذا كان الوصول إليها غير آمن أو غير ميسر لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة. وتوفير خدمة حكومية عبر الإنترنت لا يعني أنها أصبحت متاحة للجميع إذا كان بعض الناس يفتقرون إلى المهارات الرقمية أو الاتصال الموثوق بالشبكة. كما أن بناء طريق جديد لا يمثل نجاحاً كاملاً إذا أدى إلى زيادة الاعتماد على السيارات، أو أضر بالأحياء السكنية، أو زاد التلوث، أو لم يساعد على الوصول إلى الخدمات الأساسية. والأمر نفسه ينطبق على التقنية. فالتطبيق الذي يختصر خطوات المعاملة الحكومية يعد إنجازاً إذا كان سهل الاستخدام وموثوقاً ومتاحاً للجميع، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا تعطل باستمرار أو فرض على المستفيدين إجراءات معقدة أو لم يترك لهم وسيلة بديلة للحصول على الخدمة. ومن ثم فإن الحكم على نجاح أي مشروع يجب أن ينطلق من تجربة الإنسان الفعلية، لا من وصف المشروع بأنه حديث أو ذكي.
إن توسيع مفهوم الأنسنة بهذه الصورة يساعدنا على الانتقال من التفكير في تحسين أجزاء منفصلة من المدينة أو المؤسسة إلى فهم الحياة الأنسنة بوصفها منظومة مترابطة. فالصحة تتأثر بالسكن والبيئة والنقل، والتعليم يتأثر بالقدرة على الوصول إلى المدارس وجودة الخدمات، والفرص الاقتصادية تتأثر بالبنية التحتية والمهارات والعدالة، والثقة بالمؤسسات تتأثر بالشفافية وسرعة الاستجابة واحترام الحقوق. ولهذا تحتاج الأنسنة إلى إطار شامل يربط هذه العناصر بدلاً من التعامل معها كموضوعات مستقلة.
لقد تناولت الفلسفة والعلوم الاجتماعية والتخطيط العمراني والإدارة العامة والبيئة والتقنيات الرقمية جوانب متعددة من حياة الإنسان. وقد أسهمت هذه الاتجاهات في بناء معرفة مهمة، لكن التحدي العملي يتمثل في كيفية ربطها ضمن إطار واحد يوجّه السياسات والاستثمارات والتقنيات نحو أهداف إنسانية واضحة. فالمؤسسة قد تضع سياسة للخصوصية، والبلدية قد تنفذ مشروعاً لتطوير الحدائق، والجهة المسؤولة عن النقل قد تسعى إلى تقليل الازدحام، بينما تعمل جهة أخرى على رقمنة الخدمات.