مفتاح السلام في اليمن.. قطع شرايين الإمداد للحوثيين – د. طلال الحربي

لم تتعامل المملكة العربية السعودية مع اليمن بوصفه ملفاً سياسياً عابراً أو ورقة في حسابات إقليمية متقلبة. تعاملت معه بوصفه عمقاً تاريخياً وجغرافياً وإنسانياً لا يقبل القسمة على سواه. فمنذ أن اختطفت جماعة الحوثي مؤسسات الدولة اليمنية في سبتمبر 2014، وانقلبت على مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية، وقفت الرياض إلى جانب الشرعية اليمنية موقف الشقيق الذي يدرك أن سقوط الدولة في بلد جار لا يبقى شأناً داخلياً. وقد جاء هذا الموقف استجابة لطلب الحكومة الشرعية نفسها، وبسند من قرار مجلس الأمن 2216 الذي أكد وجوب انسحاب الميليشيا من المدن وتسليم السلاح واستعادة مؤسسات الدولة، لا بدافع التدخل أو الوصاية.

وظل هذا الدعم ثابتاً على مدى السنوات، ولم يقتصر على البعد العسكري. فقد شمل الإسناد السياسي في المحافل الدولية، والدعم الاقتصادي للحكومة والبنك المركزي، ومشاريع الإعمار والتنمية، والمساعدات الإغاثية والإنسانية التي بلغت مناطق اليمن كافة، بما فيها تلك التي تحكمها الميليشيا. ورعت المملكة مسارات التهدئة والحوار، وفي مقدمتها اتفاق الرياض، حرصاً على توحيد الصف اليمني خلف الدولة. وفي كل مرحلة كان الهدف المعلن واحداً: يمن موحد ومستقر، تحكمه مؤسسات شرعية، ولا يشكل تهديداً لجيرانه ولا للملاحة الدولية.

غير أن قراءة الحرب اليمنية بعمق تقتضي الإجابة عن سؤال جوهري تتحاشاه كثير من التحليلات: كيف لجماعة محدودة العدد والموارد والحاضنة الاجتماعية أن تصمد أكثر من عقد في وجه تحالف إقليمي ودولي؟ الجواب لا يكمن في قوتها الذاتية، بل في شرايين الإمداد التي تغذيها.

فالحوثي ليس كياناً قادراً على الاستمرار بمقدراته المحلية، بل هو مشروع يتغذى على السلاح المهرب والخبرات المنقولة والتمويل العابر للحدود. وقد تحدثت تقارير أمنية وصحفية عديدة عن شبكات تهريب تمتد عبر بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، وعن ضبط شحنات ضخمة من الأسلحة ومكونات الطائرات المسيّرة والصواريخ في طريقها إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الجماعة.

ولا أبالغ إن قلت إن هذه الحرب ما كانت لتستمر شهراً واحداً لولا هذه الشرايين. فالسلاح الذي يحتاج إليه الحوثي لا يصنع في كهوف صعدة ولا في أزقة صنعاء، والصاروخ والمسيّرة لا يولدان من فراغ. وما لم تتدفق المكونات والخبرات والأموال، يتحول المشروع من آلة حرب إلى جماعة منهكة تعجز عن إدارة أبسط شؤون من تحكمهم. ومن هنا فإن قطع الإمداد ليس خياراً عسكرياً بين خيارات، بل هو المدخل الإستراتيجي الأصوب لإنهاء الأزمة، لأنه يعالج السبب لا العرض، ويفكك قدرة الجماعة على المناورة والابتزاز والتصعيد.

وهذه الخلاصة لا تنفصل عن حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة الجماعة ذاتها، فالحوثي لا يستطيع، في أي حساب موضوعي، أن يحكم اليمن بأسره. اليمن بلد تتنوع فيه الجغرافيا والقبيلة والمذهب والتاريخ السياسي، ولا يمكن لجماعة مغلقة الأيديولوجيا، تستند إلى فكرة الاصطفاء والولاية، أن تفرض هيمنتها على شعب عرف الجمهورية وتمسك بها. ومشروعها في جوهره نقيض للدولة: يصادر الوظيفة العامة، ويجند الأطفال، ويزرع الألغام بمئات الآلاف بحسب ما تتهمه به الحكومة والمنظمات الدولية، ويختطف الصحفيين والناشطين، ويحول الموانئ والمدن إلى منصات للتهديد. وهي جماعة إرهابية بالمعنى السياسي والأمني، لأنها تتخذ العنف وسيلة دائمة لفرض إرادتها، وتهدد أمن الجوار وسلامة الممرات الدولية، وترتهن قرارها لأجندة خارجية لا تمت إلى مصلحة اليمنيين بصلة.

وعلى هذا الأساس، فإن ما يقدمه الحوثي لليمن ليس مشروع حكم، بل مشروع تدمير: تدمير للاقتصاد والمؤسسات والنسيج الاجتماعي، وتدمير لجيل كامل حرم التعليم والغذاء والأمان.

وقد أثبتت التجربة أن الهدن التي لا تقترن بإغلاق منافذ التسليح تتحول في يد الجماعة إلى فرصة لإعادة التسلح والحشد، وأن الاتفاقات التي تمنحها متنفساً من دون ضمانات تستثمر لتعزيز قدرتها على الحرب لا لتقريب السلام. وفي هذا المقام يستحضر المتابع ما أتاحته تفاهمات الحديدة من ثغرات استغلتها الميليشيا، وفق ما يردده خبراء ومسؤولون يمنيون.

ومن هنا فإن مقاربة السلام الجادة تبدأ من تجفيف المنابع. فإذا قطعت الشرايين التي تمد الجماعة بالسلاح والمال والخبرة، اختل ميزان القوة جذرياً، ووجدت قيادتها نفسها أمام واقع لا تستطيع المكابرة معه. حينها لن تأتي إلى طاولة التفاوض شريكاً يملي شروطه، بل طرفاً خاضعاً يبحث عن مخرج، قابلاً بمرجعيات الحل الثلاث: المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن 2216. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الميليشيات لا تقبل بالسلام حين تقوى، بل حين تدرك أن كلفة الاستمرار تفوق ما تحتمله.

ولا يغيب عن الذهن أن قطع الإمداد المقصود هنا هو قطع السلاح والمكونات العسكرية والتمويل الذي يغذي الآلة القتالية، لا الغذاء والدواء، وقد دأبت المملكة والتحالف على تأمين المساعدات الإنسانية وتيسير وصولها، بينما دأبت الجماعة على التلاعب بها وتحويل مسارها واستثمارها في الحشد والتعبئة. أما إخفاق الحسم في بعض المراحل فيعود في جانب كبير منه إلى بقاء الشرايين مفتوحة، فلم تكن الحرب بين طرفين متكافئين في الموارد، بل بين دولة وميليشيا تتجدد قوتها من الخارج. وأما التفاوض فلا ينكر أحد قيمته، غير أن التجربة أثبتت أن الجماعة تحول المفاوضات إلى غطاء لإعادة التسلح كلما أحست بالضغط، وأن التفاوض الذي لا يستند إلى ميزان قوة عادل لا ينتج سلاماً، بل يؤجل الحرب ليعيدها أشد وطأة. فالضغط على مصادر القوة والتفاوض ليسا مسارين متعارضين، بل هما وجهان لاستراتيجية واحدة، تجعل السلام ثمرة قناعة الجماعة بأن لا سبيل أمامها سواه.

وفي ضوء ذلك كله، ستظل المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، سنداً لليمن وشرعيته حتى يستعيد الشعب اليمني دولته ومؤسساته وقراره.

وفي هذا الثبات رسالة مفادها أن السعودية لا تتخلى عن أشقائها، وأن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم. وأن الطريق إلى السلام الحقيقي يمر عبر إنهاء المشروع الذي صادر اليمن، وعبر قطع الشرايين التي تبقيه على قيد الحياة.

لم تتعامل المملكة العربية السعودية مع اليمن بوصفه ملفاً سياسياً عابراً أو ورقة في حسابات إقليمية متقلبة. تعاملت معه بوصفه عمقاً تاريخياً وجغرافياً وإنسانياً لا يقبل القسمة على سواه. فمنذ أن اختطفت جماعة الحوثي مؤسسات الدولة اليمنية في سبتمبر 2014، وانقلبت على مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية، وقفت الرياض إلى جانب الشرعية اليمنية موقف الشقيق الذي يدرك أن سقوط الدولة في بلد جار لا يبقى شأناً داخلياً. وقد جاء هذا الموقف استجابة لطلب الحكومة الشرعية نفسها، وبسند من قرار مجلس الأمن 2216 الذي أكد وجوب انسحاب الميليشيا من المدن وتسليم السلاح واستعادة مؤسسات الدولة، لا بدافع التدخل أو الوصاية.