مفارقة الدولار الأبدي.. هل يستمر صعوده في عالم ممزق؟

على مدى العامين الماضيين، كرر خبراء الاقتصاد الكلي حول العالم نفس العبارة: «الدولار الأمريكي مقوم بأعلى من قيمته الحقيقية، ومندفع بشكل مفرط، وقد حان وقت تراجعه».وبناء على كل المقاييس التقليدية للقيمة العادلة والدورية، يبدو الدولار منهكاً، حيث يتم تداوله بعلاوة سعرية تبلغ نحو 15% فوق أساسياته الطويلة الأجل.ومع ذلك، ونحن نمر بصيف عام 2026، يشهد العالم المالي مفارقة مألوفة، فبدلاً من أن ينهار الدولار تحت وطأة قيمته المبالغ فيها، لامس مؤشر الدولار الأمريكي مؤخراً أعلى مستوى له في 13 شهراً عند 101.8 نقطة. وقد أسكتت المضاربات مخاوف المشككين عندما جمعت مراكز شراء تتعامل بالدولار فقط مبالغ تقترب من 40 مليار دولار، وهو أعلى مستوى من القناعة الإيجابية في السوق منذ عام 2015.إن الاستمرارية الهيكلية لصعود الدولار تجبرنا على مواجهة حقيقة غير مريحة: النظام المالي العالمي لا يبتعد عن الدولار، بل يضاعف اعتماده عليه. هذا الاستقرار المستدام ليس طفرة عابرة في الرسوم البيانية، بل هو النتيجة المنطقية لمزيج شديد التقلب يقوم على تحول صارم في سياسة الاحتياطي الفيدرالي، ومشهد جيوسياسي متصدع، وعجز حاد في النمو الاقتصادي لدى بقية دول العالم المتقدم.ولفهم سبب عناد الدولار في وجه الهبوط، يجب أولاً النظر إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي بحلته الجديدة. فبعد رحيل جيروم باول، جلب صعود كيفن وارش إلى رئاسة المجلس تحولاً فكرياً واضحاً في السياسة النقدية. ولسنوات طويلة، اعتادت الأسواق على الطبيعة التوجيهية المتوقعة لسياسة «الإرشادات المستقبلية»، لكن وارش فكك هذا الإطار بالكامل، واستبدله بنهج يعتمد على البيانات والسيناريوهات المحتملة، ما أبقى الأسواق في حالة ترقب دائم.والأهم من ذلك، أن الفيدرالي الجديد أوضح أن «المعركة الداخلية» ضد التضخم لم تنتهِ بعد. ومع بقاء مؤشر التضخم الأساسي لأسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي قرب 3.6%، حطمت توقعات البنك المركزي لشهر يونيو أي آمال متبقية في التيسير النقدي.وبدلاً من رسم مسار لخفض أسعار الفائدة، كشفت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة عن أن نصف مسؤوليها يتوقعون رفع الفائدة مرة واحدة على الأقل قبل نهاية العام. ومع بقاء سعر الفائدة الفيدرالية مقيداً بقوة بين 3.50% و3.75%، وتأجيل خفض الفائدة حتى منتصف عام 2027 على الأقل، تظل الولايات المتحدة واحة للعوائد المرتفعة. وبناء عليه، لا يجد رأس المال العالمي، الباحث عن العائد دون التضحية بالسيولة، خياراً سوى التدفق نحو أدوات الدخل الثابت الأمريكية.وما يزيد من قوة هذه الميزة في أسعار الفائدة هو التصاعد المفاجئ والحاد للاحتكاكات الجيوسياسية. فقد أدى اندلاع الأعمال العسكرية المباشرة مؤخراً بين الولايات المتحدة وإيران إلى ضخ مخاطر هيكلية في سلاسل التوريد العالمية. ومع قفز عقود خام برنت نحو حاجز 100 دولار للبرميل، اجتاحت الأسواق الأوروبية والآسيوية موجة من القلق من الركود التضخمي.وفي أوقات الصراعات الحركية وصدمات الطاقة، يصبح دور الدولار ملاذاً آمناً رئيسياً في العالم مطلقاً. ومن الحقائق الساخرة في التمويل العالمي أنه عندما تتسبب قرارات السياسة الخارجية الأمريكية في عدم استقرار دولي، يهرب رأس المال العالمي مباشرة إلى أمان الديون الحكومية الأمريكية، ما يدفع الدولار إلى مستويات أعلى.ويتسارع هذا الهروب لرؤوس الأموال بسبب التباين الصارخ في النمو الاقتصادي. فبينما خفض صندوق النقد الدولي مؤخراً توقعات النمو في شتى أنحاء العالم، يظل الاقتصاد المحلي الأمريكي مرناً بشكل ملحوظ، وفي طريقه للنمو بنسبة 2.3% في عام 2026.ولدى المقارنة بالمنطقة الأوروبية، حيث أدى الاعتماد الهيكلي على الطاقة إلى خفض توقعات النمو إلى 0.9%، أو اليابان التي تقبع عند 0.6%، تبدو الصورة أكثر جلاء. ويواجه اليورو مقابل الدولار ضغوطاً هبوطية شديدة، متراجعاً إلى حدود 1.11 دولار، في حين يتأرجح الين في نطاق 162 يناً مقابل الدولار، ولا يكبحه سوى التهديد المستمر بتدخل حكومي أحادي الجانب من طوكيو في سوق العملات. وعندما تتعطل محركات الاقتصاد البديلة في العالم، يفوز الدولار تلقائياً.*باحث متخصص في التمويل مؤسس شركة «إيه إف سي إنفيست» (مورننغ ستار)