انتزع الرئيس البرازيلي، لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ولاية رابعة، بعدما منحته جولة الإعادة تقدّماً واضحاً على منافِسه فلافيو بولسونارو. ويعني هذا التحوّل الانتخابي، الذي أعاد ترتيب المشهد السياسي في الجمهورية خلال ثلاثة أسابيع، حصول «الثعلب العجوز»، زعيم حزب «العمال» البرازيلي، على تفويض متجدّد لصالح برنامجه الاجتماعي، وإن برزت مؤشرات واضحة على صعوبات بنيوية ستعترض طريق تنفيذ هذا البرنامج. وأعلنت المحكمة الانتخابية العليا، بعد اكتمال الفرز، حصول لولا على 51.79 في المئة من الأصوات، مقابل 48.21 في المئة لبولسونارو، بفارق تجاوز 4.4 ملايين صوت، وذلك بعدما كانت الجولة الأولى، التي جرت في الرابع من الشهر الجاري، قد انتهت بتقدّم المرّشح اليميني بنسبة 47.2 في المئة، في مقابل 45 في المئة للرئيس. وعليه، أصبح لولا أوّل مرشح، منذ عودة الانتخابات الرئاسية المباشرة عام 1989، يفوز بعدما حلّ ثانياً في الجولة الأولى.
وبدا هذا التحوّل مدفوعاً باتّساع دائرة المشاركة إلى أكثر من 128 مليون ناخب - مُقارنة بنحو 125 مليوناً في الجولة الأولى -، وانخفاض الامتناع عن التصويت من 21.08 إلى 19.21 في المئة؛ واللذَين منحا لولا فرصة استقطاب أصوات إضافية، ولا سيّما من المتردّدين بين المعسكرَين - مع احتفاظ منافِسه بقاعدة واسعة اقتربت من نصف الأصوات الصحيحة على مستوى البلاد -. وبذلك، استطاع لولا إضافة أكثر من عشرة ملايين صوت إلى رصيده بين الجولتَين، معزّزاً تفوّقه في الشمال الشرقي، ومستعيداً الأفضلية في ولاية ميناس جيرايس، وموسّعاً حصته في ساو باولو وريو دي جانيرو. وأسهم تحسّن أدائه في تلك الولايات، التي تضمّ مجتمعةً نحو أربعين في المئة من سكّان البلاد، في تحويل مكاسب محلّية متفرّقة إلى تقدّم وطني كان من شأنه حسْم السباق. وبحسب مراقبين، فإن التعبئة الرقمية أدّت دوراً أساسياً في التحسّن المُشار إليه، ولا سيما قناة «جيش لولا» على تطبيق «واتسآب»، التي قادها النائب أندريه جانونيس وتجاوز جمهورها أحد عشر مليون متابع، وأسهمت في الوصول إلى الشباب والفئات العاملة وتوزيع الرسائل الانتخابية وحشد المشاركة يوم التصويت. ومنحت هذه الفاعلية حملة الرئيس قدرة اتصال واسعة خلال الفترة الفاصلة بين الجولتَين، وعزّزت قدرتها على مخاطبة جمهور يتلقّى جانباً كبيراً من معلوماته السياسية عبر الهاتف ومنصّات التواصل الاجتماعي.
في المقابل، رفض بولسونارو الابن الاعتراف بالنتيجة، وطالب بإلغاء الانتخابات، مستنداً إلى قرار قضائي بتمديد الاقتراع ساعتَين حتى السابعة مساء، علماً أن الحملتَين على السواء طلبتا تمديد التصويت لأسباب مختلفة، وهو ما يجعل اعتراضه مرتبطاً بالأدلّة التي يستطيع تقديمها إلى الجهات المختصّة بالنظر في الطعون والنتائج النهائية. ويستبعد خبراء القانون الانتخابي إلغاء النتيجة، مستحضرين استقرار الاستحقاقات الرئاسية منذ إقرار دستور 1988، والسوابق التي انتهت بتثبيت نتائج الاقتراع، ومنها مراجعة انتخابات 2014؛ كما يستعيدون الغرامة التي تجاوزت أربعة ملايين دولار وفُرضت على الحزب «الليبرالي» عام 2022، بعدما أخفق في إسناد مزاعمه بالأدلّة. وتمثّل تلك السوابق مرجعية إجرائية للمحكمة في التعامل مع اعتراض جديد يصدر عن الحزب نفسه، عقب خسارة مرشّحه للسباق الرئاسي.من جهته، وصف لولا، في خطاب أمام أنصاره في ساو باولو، فوزه بأنه «هزيمة للإنكار»، وشكر البرازيليين على دفاعهم عن الديمقراطية. كما ربط تجديد ولايته بتأكيد السيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي، مستعيداً أحد المحاور التي استخدمها خلال حملته في مواجهة الضغوط الأميركية، ومقدّماً النتيجة باعتبارها تفويضاً له بمواصلة مشروعه. وفي الأثر، توالت التبريكات الدولية للولا، من رئيسة المفوّضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إلى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، بينما التزم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الصمت، في ما يعكس استمرار التباين بين الرجلَين، في مقابل التقارب العلني بين بولسونارو والإدارة الأميركية التي وظّفت أوراق التجارة والعقوبات ووسائل التواصل الاجتماعي الأميركية للضغط على الحكومة البرازيلية.
بفوزه المُستحَقّ هذا، يوقف سلسلة من سبعة انتصارات يمينية متتالية في أميركا اللاتينية
وعلى الرغم من خسارته السباق، يمنح حصول بولسونارو الابن على أكثر من 48 في المئة من الأصوات، اليمين، قاعدة قوية لمواصلة المعارضة، وهو يؤكد امتداد خطابه وسط قطاعات عريضة من الطبقات العاملة والوسطى، الأمر الذي يضع لولا أمام مهمّة تفهّم دوافع ذلك التصويت، والتعامل مع المطالب الاقتصادية والأمنية الواقفة خلفه بما يضمن استقرار حكمه. وتعزّزت قوة المعارضة، أيضاً، بتركيبة «كونغرس» يمينيِّ الهوى أفرزته الانتخابات التشريعية التي جرت تزامناً مع الجولة الأولى من الرئاسيات، حيث أصبح الحزب «الليبرالي» أكبر قوة في مجلس الشيوخ بثمانية وعشرين مقعداً من أصل واحد وثمانين، وفازت ميشيل بولسونارو بمقعد عن العاصمة برازيليا، وكارلوس بولسونارو عن سانتا كاتارينا، وهو ما من شأنه توسيع الحضور المؤسّسي للعائلة السياسية، ومنحها أدوات للتأثير في التشريعات والتعيينات والرقابة، وإحالة التفاوض مع الكتل المحافظة ممرّاً لازماً لتمكين الرئيس من تنفيذ تعهّداته الانتخابية.وتبدو المالية العامّة المجال الأكثر إلحاحاً لهذا التفاوض؛ إذ يقدّر «صندوق النقد الدولي» عجز الموازنة بنحو ثمانية في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي، وبلوغ الدين العام نحو اثنين وثمانين في المئة، بينما يحتفظ البنك المركزي بسعر فائدة عند 13.75 في المئة. وتعني تلك المعطيات تقلّص مساحة الإنفاق، وازدياد كلفة التمويل، وهي تفرض على الحكومة شرح مصادر تغطية برامجها، وتحديد أولوياتها ضمن موازنة تخضع للتفاوض والرقابة البرلمانية الضاغطة. وكانت الأسواق المالية استقبلت فوز لولا بتراجعات حادّة؛ إذ هبطت العقود الآجلة للريال البرازيلي عشرة في المئة، وتراجعت العقود المرتبطة بمؤشر الأسهم نحو خمسة عشر في المئة، بينما ارتفع عائد السندات البرازيلية المُقوَّمة باليورو والمُستحَقّة عام 2036 من 5.8 إلى 6.1 في المئة، وانخفض سهم «بانكو سانتاندير» الإسباني – ذو التواجد الكبير في البرازيل - نحو ثلاثة في المئة، في استجابةٍ عكست قلق المستثمرين بشأن اتجاه الإنفاق الحكومي ومسار الدين والسياسة الاقتصادية المقبلة.وسبق أن مالت رهانات الأسواق المالية بشدّة نحو فوز بولسونارو، وذلك اعتماداً على تعهّداته بضبط المالية العامة، بينما طرح لولا توسيع المدفوعات الاجتماعية ودعم النقل العام وتخفيف أعباء الديون على العائلات.
ويظلّ إرث جايير بولسونارو حاضراً في هذه المرحلة، مع قضائه عقوبة بالسجن سبعة وعشرين عاماً في قضية محاولة انقلاب أعقبت خسارته انتخابات 2022، وخضوعه للإقامة الجبرية. وفي حين حمل برنامج ابنه تعهّدات بالعفو عنه ومُساءلة قضاة المحكمة العليا وتعديل الدستور، أسهمت الرسوم الأميركية البالغة خمسين في المئة على المُنتجات البرازيلية في توسيع الجدل حول السيادة الوطنية، وأتاحت للولا تقديم برنامج يقوم على الدفاع عن السيادة الوطنية والمصالح الاقتصادية للأكثرية في آن.هي إذاً نتيجة مُذهِلة بكلّ المقاييس لصالح الزعيم اليساري المُخضرم، الذي يبدأ ولايته الرابعة مع بلوغه عامه الحادي والثمانين. وبفوزه المُستحَقّ هذا، يوقف سلسلة من سبعة انتصارات يمينية متتالية في أميركا اللاتينية، ويعيد يسار الوسط إلى واجهة المشهد الإقليمي. على أن نجاحه في تحويل ذلك الفوز إلى حكم مستقرّ، سيتوقف على قدرته على بناء تفاهمات مع برلمان مُعادٍ، وافتتاح مسار مالي مُقنِع للأسواق، وترميم الثقة في المؤسّسات، في بلد يظلّ فيه الاستقطاب العميق العائق الأكبر أمام أيّ إصلاح.