مع تصاعد المخاطر في باب المندب.. “سوميد” يعيد رسم خريطة صادرات النفط السعودي

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

أعادت الاضطرابات الأمنية في باب المندب خط أنابيب "سوميد" المصري إلى واجهة المسارات البديلة لصادرات النفط السعودي، لكن خبراء نفطيين يؤكدون لـ"النهار" أن الخط، بطاقته الحالية ومحدودية الأسواق التي يخدمها، يظل حلاً جزئياً ومؤقتاً لا بديلاً كاملاً عن الممر البحري الرئيسي.

أعادت الاضطرابات التي طالت الملاحة في مضيق باب المندب رسم مسارات صادرات النفط السعودية، بعدما أصبح الطريق المعتاد من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى الأسواق الآسيوية أكثر عرضة للمخاطر الأمنية. وفي قلب البدائل المطروحة، برز خط أنابيب "سوميد" المصري باعتباره حلقة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وتتيح للناقلات تجنب المرور جنوباً عبر المضيق، وإن كان ذلك مقابل رحلات أطول وتكاليف أعلى.

ولا يمثل "سوميد" بديلاً منفرداً لباب المندب، بل يأتي ضمن منظومة تبدأ بخط أنابيب شرق-غرب السعودي، الذي ينقل النفط الخام من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي. ومن هناك، يمكن للناقلات الإبحار شمالاً نحو مصر بدلاً من التوجه جنوباً إلى باب المندب، ثم استخدام قناة السويس وخط "سوميد" قبل مواصلة الرحلة من البحر المتوسط حول أفريقيا إلى الأسواق الآسيوية. وتبلغ الطاقة التشغيلية الكاملة لخط شرق-غرب نحو 7 ملايين برميل يومياً، وفق وزارة الطاقة السعودية.

سفن تظهر من نافذة طائرة تحلق أعلى قناة السويس (رويترز)

ويمتد خط "سوميد" لنحو 320 كيلومتراً بين العين السخنة وسيدي كرير، وتبلغ طاقته الاستيعابية ما يصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً. وتعادل هذه الطاقة نحو 36% من إجمالي صادرات النفط السعودية البالغة قرابة 7 ملايين برميل يومياً.

وتمنح هذه الطاقة المملكة قدرة كبيرة على تحويل جزء واسع من صادراتها بعيداً عن مضيق هرمز ونقل الخام إلى ساحل البحر الأحمر. غير أن توجيه النفط من ينبع إلى آسيا يظل مرتبطاً في المسار التقليدي بالعبور عبر باب المندب، ما جعل التهديدات الأخيرة للملاحة في المضيق تفرض تحدياً جديداً على شبكة التصدير السعودية.

وبحسب بيانات شركة "كبلر"، ارتفعت تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية السعودية عبر باب المندب إلى مستوى قياسي تجاوز 4 ملايين برميل يومياً خلال يونيو/حزيران 2026، وهو ما يعكس حجم اعتماد الصادرات المعاد توجيهها إلى البحر الأحمر على سلامة هذا الممر البحري.

كما دفعت التهديدات ناقلتين تحملان النفط السعودي إلى آسيا إلى تغيير اتجاههما في البحر الأحمر، بينما بدأت مصافٍ آسيوية البحث عن ناقلات قادرة على استخدام قناة السويس وخط "سوميد". وكانت شركة التكرير الكورية الجنوبية "هيونداي أويل بنك" من بين الشركات التي بحثت خيار نقل الخام من ينبع عبر مصر وصولاً إلى شرق آسيا.

وفرض الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن حصاراً بحرياً على شحنات النفط السعودية عبر باب المندب الأسبوع الماضي، ما أجبر أرامكو السعودية على تحويل مزيد من إمداداتها للتصدير عبر مصر. ومنذ بدء الحرب الأميركية على إيران، التي حالت دون دخول السفن إلى الخليج عبر مضيق هرمز، تصدّر أرامكو معظم نفطها إلى آسيا من ميناء ينبع، محوّلةً الإمدادات من رأس تنورة عبر خط الأنابيب شرق-غرب.

وتُباع شحنات ينبع تقليدياً للعملاء بعقود طويلة الأجل على أساس سعر البيع الرسمي الشهري لأرامكو إلى آسيا، إضافة إلى رسم لخط الأنابيب. وبعد تهديد الحوثيين، ستوجّه أرامكو النفط من ينبع إلى ميناء العين السخنة المصري على البحر الأحمر، لينقل بعدها عبر خط أنابيب "سوميد" إلى سيدي كرير.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة لرويترز إن أرامكو تدرس آلية تسعير جديدة لشحن الخام من سيدي كرير إلى آسيا، لمراعاة ارتفاع تكاليف الشحن الناجم عن تحويل مسار الصادرات عبر "سوميد". وقالت ثلاثة مصادر أخرى إن المنتج قد يعدّل أسعاره في ضوء ارتفاع تكاليف الشحن وطول المسار عبر البحر المتوسط ومضيق جبل طارق، ثم حول رأس الرجاء الصالح. وأشار تقدير أحد المصادر إلى أن ذلك قد يكلّف المشترين الآسيويين نحو 10 ملايين دولار إضافية للشحنة الواحدة، أو خمسة دولارات للبرميل. وامتنعت أرامكو السعودية عن التعليق على هذه المعلومات.

يفرض الطريق البديل عبر مصر والبحر المتوسط ثم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أعباء كبيرة على شركات الشحن والمشترين. وتستغرق الرحلة من ينبع إلى تايوان عبر باب المندب نحو 19 يوماً، بينما تمتد إلى نحو 48 يوماً عند الاتجاه شمالاً عبر قناة السويس، ثم البحر المتوسط ومضيق جبل طارق والدوران حول أفريقيا، وفق بيانات "كبلر" ومجموعة بورصات لندن التي نقلتها رويترز.وزير البترول المصري كريم بدوي في جولة تفقدية العام الماضي لميناء سوميد (وزارة البترول المصرية)ويرفع المسار البديل زمن الرحلة بنحو 29 يوماً، بالتزامن مع زيادة تكلفة الوقود من قرابة 1.26 مليون دولار إلى نحو 2.87 مليون دولار للناقلة الواحدة، أي بفارق يتجاوز 1.6 مليون دولار. وتضاف إلى ذلك رسوم عبور قناة السويس، المقدرة بنحو مليون دولار، لترتفع الكلفة الإضافية للرحلة إلى أكثر من 2.5 مليون دولار، قبل احتساب أقساط التأمين وتكاليف التأخير والخدمات التشغيلية الأخرى. وتأتي تقديرات المصادر حول الفارق السعري المحتمل البالغ نحو 10 ملايين دولار للشحنة أو خمسة دولارات للبرميل متسقة مع هذا الارتفاع الكبير في تكاليف النقل.

وتواجه ناقلات النفط العملاقة المحملة بالكامل قيداً إضافياً يتمثل في عدم قدرتها على عبور قناة السويس بحمولتها الكاملة بسبب حدود الغاطس. وفي هذه الحالة، يمكن تفريغ جزء من الخام في محطة العين السخنة على البحر الأحمر وضخه عبر "سوميد" إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، بينما تعبر الناقلة القناة بحمولة أخف، قبل استعادة الكمية على الجانب الآخر.

وعن قدرة الخط على تعويض أي تعطل محتمل في باب المندب، قال علي الريامي، المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة النفط العمانية، لـ"النهار"، إن تقييم دور "سوميد" يتطلب النظر إلى طاقته الاستيعابية وبنيته التحتية والاعتبارات الجيوسياسية المحيطة به.علي الريامي المدير العام السبق لتسويق النفط والغاز في وزارة النفط العمانيةوأوضح أن السعودية تصدّر عبر ميناء ينبع ما يقارب 5 ملايين برميل يومياً، في حين لا تتجاوز الطاقة الحالية لخط "سوميد" 2.5 مليون برميل يومياً، ما يعني أن الخط، رغم أهميته، لا يستطيع في وضعه الراهن أن يشكل بديلاً كاملاً لباب المندب. وأضاف أن "سوميد" صُمم أساساً ليكون مساراً تكميلياً يوفر مرونة إضافية في أوقات الأزمات أو ازدحام حركة الملاحة، وليس ليحل محل الممرات البحرية الرئيسية. وفي حال تعطل باب المندب أمام الشحنات السعودية، يمكن للخط استيعاب جزء من الكميات، لكنه يظل عاجزاً عن امتصاص كامل الصادرات، ما يبقيه حلاً مؤقتاً لتخفيف أثر الأزمة، لا بديلاً دائماً للمسار البحري.