اجابت دار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد اليها عبر موقعها الرسمي مضمونة:"أيهما أفضل عند الله تعالى الغِنى أم الفقر؟ حيث دارَ حوارٌ بيني وبين أحد أصدقائي حول المفاضلة الأخروية بين الغنى والفقر، فكان ممَّا احتجَّ به قول النبي عليه السلام: «يدخل الفقراء الجنَّة قبل الأغنياء بخمسمائة عام نصف يوم»، معقِّبًا بأنَّ هذا النصَّ النبوي خير دليلٍ في مدح الفقر وأهله، فوقع في نفسي حينئذٍ أنَّ هذا الحديث قد يحمل بعض الناس على التكاسل وترك العمل والركون إلى الفقر لتحصيل ذاك الثواب، مع أنِّي أعلم تمام العلم أنَّ الشريعة الغراء تدعو دائمًا إلى العمل وتحثُّ على الإنتاج وتحذِّر من التكاسل؛ فما قولكم في ذلك؟".
لترد دار الإفتاء موضحة: أن المسلم مأمورٌ بالأخذ بالأسباب والسَّعي في طلب الرزق، فإن أصابه الغنى شَكَرَ، وإن أصابه الفقر صَبَرَ، وبقدر التسليم بالقضاء والقدر، وبذل الجهد في الأخذ بالأسباب، يتسابق الفقراء والأغنياء على السواء إلى عبادة الله تعالى وابتغاء الأجر والثواب ونَيل رضوان الله، وقد يسبق الغني إلى الجنة، وقد يسبق الفقير إلى الجنة، وقد يسبقان جميعًا، وفضل الله واسع.
والاستدلال على أنَّ الفقر أفضل من الغنى بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ»؛ فهو استدلال غير صحيح؛ إذ المراد به أنَّ أهل المال يحبسون يوم القيامة حتَّى يُسألوا عن مالهم من أين اكتسبوه وفيما أنفقوه؟ ففارقهم الفقراء في ذلك، ولا يدلُّ على أنَّ الفقر ممدوحٌ لذاته.
الفقر في اللغة: ضد الغنى والجمع فقراء، والأنثى فقيرة من نسوة فقائر، والفقر: الحاجة، وفعله الافتقار. ينظر: "لسان العرب" لابن منظور (5/ 60، ط. دار صادر)، و"معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (4/ 443، ط. دار الفكر).
وفي اصطلاح الفقهاء: الفقير هو الذي لا مال له، ولا كسب يقع موقعًا من حاجته. ينظر: "روضة الطالبين" للنووي (2/ 308، ط. المكتب الإسلامي)، و"أنوار التنزيل وأسرار التأويل" للبيضاوي (3/ 85، ط. دار إحياء التراث العربي).
والغنى في اللغة: ضد الفقر، يقال: غني يغنى غنى، والغناء بفتح الغين مع المد: الكفاية. ينظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس (4/ 397)، و"لسان العرب" لابن منظور (15/ 136).
والغنيُّ في اصطلاح الفقهاء: هو من يملك نصابًا من النقدين، أو ما قيمته نصاب، فاضلًا عن حوائجه الأصلية من أمور حياته الأساسية، وحياة من تلزمه نفقته. ينظر: "الجوهرة النيرة" للزبيدي (1/ 129، ط. المطبعة الخيرية).
وممَّا هو مقرَّر شرعًا أنَّ الفقر وحده لا يكون مدعاةً إلى الفضل ولا الدُّونيَّة، كما أنَّ الغنى وحده لا يستلزم الدُّونيَّة ولا الفضل، فربَّ فقيرٍ شاكٍ متذمِّر لم يخالط قلبه الرضا، وربَّ غني شاكرٍ متصدِّق، فتسمو منزلة الغني وتسفُل مرتبة الفقير، فمدار التفاضل عند الله يوم القيامة إنَّما يكون بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 35].
حث الإسلام على العملقد حثَّ الشرع الشريف على العمل ورغَّب فيه ودعا إليه؛ أخذًا بأسباب الحياة وجودتها، مع الاعتناء بإتقانه واتخاذ الأسباب من أجل تحصيل منافعه؛ فقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
والسنة النبوية المطهرة حافلة بالأحاديث الشريفة التي تحثُّ المؤمنين على العمل وتُرغِّب فيه؛ منها: ما رواه المقدام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» أخرجه البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اطْلُبُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» أخرجه أبو يعلى في "مسنده".
وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب التماس أسباب الرزق فريضة؛ فروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان".
قال العلامة ابن مودود الموصلي في "الاختيار" (4/ 170، ط. مطبعة الحلبي): [طلب الكسب فريضة كما أنَّ طلب العلم فريضة.. ولأنَّه لا يتوسل إلى إقامة الفرض إلَّا به فكان فرضًا؛ لأنَّه لا يتمكن من أداء العبادات إلا بقوة بدنه، وقوة بدنه بالقوت عادة وخلقة.. والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يكتسبون؛ فآدم زرع الحنطة وسقاها وحصدها وداسها وطحنها وعجنها وخبزها وأكلها؛ ونوح كان نَّجارًا، وإبراهيم كان بزَّازًا، وداود كان يصنع الدروع، وسليمان كان يصنع المكاتل من الخوص، وزكريَّا كان نجَّارًا، ونبينا رعى الغنم، وكانوا يأكلون من كسبهم، وكان الصديق رضي الله عنه بزَّازًا، وعمر يعمل في الأديم، وعثمان كان تاجرًا يجلب الطعام فيبيعه، وعلي كان يكتسب فقد صحَّ أنَّه كان يؤاجر نفسه] اهـ.
قد كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ بالله من فِتنة الفقر بالاحتياج إلى الخلق، ومن فتنة الغنى بالغفلة عن المُنعِم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله سلم كان يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ والْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» أخرجه أحمد في "مسنده".
وعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ، وَالمَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ» أخرجه البخاري؛ قال العلامة بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (23/ 5، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله: «ومن شر فتنة الغنى»، هي نحو: الطغيان والبطر وعدم تأدية الزكاة.. قوله: «وأعوذ بك من فتنة الفقر»؛ لأنَّه ربَّما يحمله على مباشرة ما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ويهجم على أي حرام كان ولا يبالي، وربَّما يحمله على التَّلفظ بكلمات تؤدِّيه إلى الكفر] اهـ.
إذا التمس المكلَّف أسباب الرزق، فإمَّا أن يحصل له الغنى أو يُقدَّر له الفقر، فإن أصابه الغنى استوجب ذلك الشكر؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]؛ يقول الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب" (19/ 67، ط. دار إحياء التراث العربي): [الاستقراء دلَّ على أنَّ من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر، كان وصول نعم الله إليه أكثر، وبالجملة فالشكر إنَّما حَسُن موقعه؛ لأنَّه اشتغال بمعرفة المعبود، وكل مقام حرَّك العبد من عالم الغرور إلى عالم القدس؛ فهو المقام الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين والدنيا] اهـ.
وقال تعالى مثنيًا على نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 121].