معركة الـ61 مقعداً: 4 سيناريوهات معقدة تحدد رئيس الحكومة الإسرائيلية

في ظل إقبال غير مسبوق على التصويت في الانتخابات الإسرائيلية الأولى منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، فإن غالبية استطلاعات الرأي تتفق على أن نتائجها لن تحسم هوية رئيس الحكومة المقبل سواء بإزاحة بنيامين نتنياهو عن صدارة المشهد السياسي، أو بقائه؛ بل ستفتح باباً لأسابيع أو أشهر من المفاوضات تتمحور حول 4 سيناريوهات معقدة.ففي إسرائيل، لا يكفي الفوز بأكبر عدد من الأصوات؛ بل يحتاج أي مرشح إلى تشكيل حكومة إلى تأمين 61 مقعداً على الأقل في الكنيست من أصل 120. واتفقت غالبية استطلاعات الرأي على أن حزب الليكود بقيادة نتنياهو سيتمكن من الحصول على 21 مقعداً، بينما يحصل حزب «يشار» بقيادة المنافس الرئيسي غادي آيزنكوت على 23 مقعداً، في مؤشر على أن أياً من المعسكرين لا يملك أغلبية جاهزة.وتفيد خريطة الاستطلاعات بأن معسكر نتنياهو سيحصل على المقاعد التالية: الليكود 21، القوة اليهودية 8، الصهيونية الدينية 7، شاس 8، يهدوت هتوراه المتحدة 7، أي ما مجموعه 51 مقعداً.بينما معسكر المعارضة: يشار 23، وتوغيذر 12، والديمقراطيون 9، وإسرائيل بيتنا 8، وراعم 5، والاحتياطيون 4، والقائمة المشتركة 8.وهذا يعني أن نتنياهو يحتاج إلى 10 مقاعد إضافية للوصول إلى 61، بينما يحتاج معسكر المعارضة إلى بناء تحالف أوسع، لكنه ليس كتلة واحدة متماسكة؛ فبعض أحزابه يقاطع بعضها الآخر.السيناريو الأول: ائتلاف هش بقيادة آيزنكوتبعد إعلان النتائج، سيبدأ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع قادة الأحزاب، الذين سيوصون بمرشح لتشكيل الحكومة، ثم يمنح التفويض لمن يرى أن لديه أفضل فرص تأمين أغلبية. وبالنسبة لآيزنكوت، فإن المسار الأكثر وضوحاً هو تشكيل ائتلاف مع بقية منافسي نتنياهو ضمن ما يُعرف بـ«كتلة التغيير»، والتي تضم سياسيين من اليمين مثل أفيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا)، وحزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان على اليسار.غير أن هذا السيناريو يحمل في طياته خطر تكرار تجربة 2021، عندما نجحت أحزاب المعارضة في تشكيل حكومة بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، عبر التناوب على رئاسة الوزراء وضم أحزاب الكتلة العربية، لكنها انهارت بعد عام بسبب الانشقاقات والصراعات الداخلية. ويخشى محللون من أن تحالفاً مماثلاً قد يواجه المصير نفسه.كما أن آيزنكوت قد يضطر إلى الاعتماد على راعم بقيادة منصور عباس للوصول إلى 61 مقعداً، لكن إدخال حزب عربي إلى الحكومة أصبح أكثر صعوبة سياسياً منذ هجمات 7 أكتوبر. وحتى لو حصل آيزنكوت على أكبر عدد من الأصوات بين منافسي نتنياهو، فإن ذلك لا يضمن توليه رئاسة الوزراء؛ إذ قد يشترط بينيت أو ليبرمان دعمهما بالحصول على المنصب الأعلى.السيناريو الثاني: أغلبية واضحة لأحد المعسكرينالسيناريو الثاني: خطأ استطلاعات الرأيويعتمد على أن تكون تقديرات استطلاعات الرأي مخطئة، وأن تحقق كتلة واحدة أغلبية واضحة. وقد حدث ذلك في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عندما فاز نتنياهو وحلفاؤه بـ64 مقعداً رغم حصولهم على نحو 48 % فقط من إجمالي الأصوات.ويعود ذلك جزئياً إلى نظام العتبة الانتخابية الذي يشترط حصول الحزب على 3.25% على الأقل من الأصوات لدخول الكنيست. ففي 2022، فشل حزب ميرتس اليساري وحزب آخر في تجاوز العتبة، ما أهدر أكثر من 200 ألف صوت معارض وعزز حصة كتلة نتنياهو النسبية.لكن استطلاعات الرأي الحالية لا تشير تقريباً إلى أن حلفاء نتنياهو قادرون على تكرار ذلك الإنجاز. بل قد تعمل الحسابات الانتخابية ضده هذه المرة؛ إذ يحوم حزب «عمخا يسرائيل» اليميني المتطرف الجديد قرب عتبة 3.25 % ما يعرضه لخطر عدم دخول البرلمان وإهدار أصوات معسكره.في المقابل، سيراقب الطرفان عن كثب نسبة إقبال المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يصوتون تاريخياً بأعداد أقل من اليهود. ويقول محللون إن إقبالاً عربياً مرتفعاً قد يعزز فرص المعارضة، في حين تكشف المؤشرات عن احتمال تحقيق هذا الشرط.السيناريو الثالث: الجمود وإعادة الانتخاباتالسيناريو الثالث وهو ما يميل له غالبية المراقبين، ويتمثل في ألا ينجح أي طرف في تشكيل حكومة مستقرة، ما يمهد لجولة جديدة من الانتخابات. وقد حدث ذلك بالفعل بين 2019 و2022، حين أجرت إسرائيل 5 انتخابات في ظل أزمة سياسية طويلة حول قيادة نتنياهو.وتشير الاستطلاعات إلى أن ائتلاف نتنياهو الحاكم سيقع دون عتبة 61 مقعداً. وقد يطرح البعض حكومة وحدة وطنية، لكن معظم المعارضين لم يبدُ استعداداً لدعم نتنياهو؛ إذ سيواجهون غضباً من مؤيديهم.وفي حال استمر الجمود، قد يكون نتنياهو هو الرابح الأكبر مؤقتاً، لأنه سيبقى رئيساً لحكومة تصريف أعمال لعدة أشهر ريثما تتشكل حكومة جديدة أو تُجرى انتخابات أخرى. ويبقى احتمال تشكيل حكومة طوارئ وطنية مؤقتة قائماً في حال حدوث تطور أمني كبير، مثل تجدد المواجهة مع إيران، على غرار «مجلس الحرب» الذي ضم آيزنكوت إلى نتنياهو لفترة وجيزة بعد 7 أكتوبر.غير أن الجمود قد يتفاقم بسبب التناقضات داخل المعارضة نفسها: فالقائمة المشتركة العربية يقاطعها أحزاب يمينية مثل إسرائيل بيتنا، وتعهد حزب «الاحتياطيون» اليميني الجديد بمقاطعة أي ائتلاف مع الحريديم أو الأحزاب العربية، ما قد يعقّد أي محاولة لتشكيل أغلبية.السيناريو الرابع: حكومة أقلية بقيادة آيزنكوتإذا لم يحقق أي طرف أغلبية، فقد يحاول آيزنكوت أو أحد حلفائه تشكيل حكومة أقلية، وهي حالة نادرة في إسرائيل. ويتطلب ذلك أن يعتمد آيزنكوت على الأحزاب العربية من خارج الائتلاف، دون ضمها رسمياً إليه.لكن محللين يقولون إن مثل هذه الحكومة ستجد صعوبة كبيرة في الحكم، ما لم ينشق بعض حلفاء نتنياهو اليمينيين الأكثر براغماتية. فنتنياهو لا يزال يمسك بكتلته بقوة كبيرة، ما جعل محاولات استمالة مؤيديه أمراً صعباً على مدار سنوات.وفي ظل هذه السيناريوهات المعقدة، فإن النتيجة الأكثر تحققاً تتمثل في أن الانتخابات لن تسفر عن حكومة إسرائيلية واضحة فوراً، بل ستكون نقطة انطلاق لمفاوضات معقدة بين أربعة مسارات: ائتلاف هش، أو أغلبية واضحة لأحد المعسكرين، أو جمود يدفع إلى انتخابات جديدة، أو حكومة أقلية تعتمد على دعم خارجي. وفي جميع الحالات، فإن السؤال الحاسم ليس فقط من حصل على أكبر عدد من الأصوات، بل من يستطيع تجميع 61 مقعداً وتشكيل حكومة قادرة على البقاء.