مطبخ البيت بوابة للسوق: تونسيات يبتكرن مشاريع صغيرة بأيديهن

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

في جزيرة جربة جنوبي تونس، وجدت هادية بن قيراط في مطبخ منزلها فرصة للعمل ومساعدة أسرتها. أم لخمسة أطفال، لم تكن تملك مستوى تعليمياً عالياً، ولا تستطيع البحث عن وظيفة خارج البيت؛ لذلك قررت الاستفادة من خبرتها في إعداد الأكلات التقليدية وتحويلها إلى مصدر للدخل.

كان زوجها يعمل حداداً، ولم يكن دخله كافياً لتغطية كل مصاريف الأسرة. وفي الوقت نفسه، لم تكن هادية قادرة على تحمل تكاليف حضانة أطفالها أو تركهم لفترات طويلة. لذلك بدأت من المكان المتاح لها: المطبخ.

كانت البداية بإعداد "الزميطة"، وهي من الأكلات الشعبية المعروفة في جربة، قبل أن تتوسع تدريجياً إلى إعداد أطباق أخرى تتطلب وقتاً وجهداً ولا تجد بعض ربات البيوت العاملات وقتاً لتحضيرها مثل "القديد" و"العصبان" (أكلات تونسية شعبية).

مع مرور الوقت، اتّسعت قاعدة زبائنها، خصوصاً بين الطلبة والموظفين الذين يعيشون بمفردهم في الجزيرة. وتحوّل ما بدأ كمحاولة لمساعدة الأسرة إلى مشروع تعتمد عليه هادية في إعالة أبنائها.

لم تتوقف عند إعداد الطعام وبيعه. بدأت أيضاً في تصوير مقاطع فيديو تشرح فيها طرق إعداد الأكلات التقليدية، بهدف مساعدة الفتيات والنساء اللواتي لا يعرفن كيفية تحضير بعضها. وساعدها انتشار هذه المقاطع في الوصول إلى متابعين جدد وتسويق منتجاتها.

تقول هادية إن حبها لما تقوم به واهتمامها بالنظافة وجودة ما تقدّمه كان من الشروط الأساسية للحفاظ على ثقة زبائنها. كذلك، توسّعت دائرة زبائنها لتشمل أشخاصاً في مناطق أخرى، بل وصل بعض منتجاتها إلى زبائن في أوروبا ودول الخليج.

بالنسبة إليها، لم يعد المطبخ مجرد مكان لإعداد الطعام للأسرة، بل أصبح وسيلة لتحقيق استقلال ماديّ. وهي تشجّع نساء أخريات على البحث عن مهارات يمكن تحويلها إلى مصادر دخل من داخل بيوتهن.

في إحدى ضواحي العاصمة تونس، تعمل فاطمة الزهراء، التي تجاوزت الخمسين، في منزلها أيضاً. مصدر دخلها مرتبط بمهارات تعلّمتها منذ طفولتها في إحدى قرى محافظة القيروان، حين كانت تتعلم من والدتها وجدتها كيفية إعداد "العولة" التونسية.

الكسكسي والمحمص وشربة القمح والشعير والدرع، إضافة إلى الفلفل الأحمر والكركم والتوابل، هي من المنتجات التي تعدها وتبيعها فاطمة الزهراء، وفق ما تقول لـ "النهار".

بعد انتقالها إلى العاصمة، وجدت نفسها مسؤولة عن إعالة نفسها وأبنائها، ولم تكن تملك خبرة مهنية أخرى تعتمد عليها. لذلك عادت إلى ما تعلّمته في طفولتها.

تقول إن كثيراً من النساء العاملات في العاصمة لا يعرفن أو لا يملكن الوقت لإعداد "العولة" بالطريقة التقليدية، رغم استمرار الطلب عليها. ومن هنا بدأت في عرض خدماتها ومنتجاتها على الزبائن.

تقضي ساعات طويلة من أيام الصيف الحارّ بين جدران مطبخها حيث تقوم بتحويل الدقيق إلى حبّات كسكسي باستخدام الغربال والأواني التقليدية، ثم تنتقل في نهاية الموسم إلى إعداد بقية المنتجات التي أصبحت مصدر دخل لها.

قد لا يتجاوز دخلها اليومي الـ 15 دولاراً، لكنه مع ذلك حفظ كرامتها ومنحها استقلالية مادية.

لكن العمل لا يوفّر لها، في المقابل، تغطية اجتماعية. وتقول إنها تعيش ممّا تصنعه، وإن نشاطها غير منتظم ولا يدرّ دخلاً كبيراً؛ لذلك لا ترى نفسها قادرة حالياً على تحمّل أعباء إضافية مرتبطة بإضفاء الصبغة الرسمية على نشاطها.

وتكشف قصتها جانباً من المفارقة التي تواجهها نساء كثيرات يعملن من منازلهن ممّن يمنحهن المطبخ دخلاً، بالرغم من أنه لا يوفر لهن بالضرورة حماية اجتماعية أو استقراراً مهنياً.

هالة شابة تونسية تبلغ من العمر 28 عاماً، أتمّت قبل نحو 4 أعوام دراستها الجامعية في اختصاص التاريخ، لكنها اتجهت اليوم إلى صناعة الحلويات. تقول لـ"النهار" إنها تلقت تدريباً في هذه الحرفة منذ كانت طالبة.وتوضح بأنها كانت تدرك أنها قد لا تجد بعد التخرج عملاً يتناسب مع مؤهّلاتها الدراسية، لذلك اختارت البحث عن بديل.

في منزل عائلتها، بدأت هالة مشروعها الصغير. اشترت المعدات اللازمة بمساعدة شقيقها الأكبر، وشرعت في إعداد قوالب حلوى بأشكال مختلفة. وكانت تنشر صور منتجاتها باستمرار، إلى أن بدأ الزبائن يقصدونها لتحضير الحلويات لمناسباتهم.

تقول إن عملها الحالي جعلها تتخلّى عن فكرة البحث عن وظيفة دائمة، مؤكّدة أنها قرّرت الاكتفاء بتعليق شهادتها الجامعية على جدار غرفتها، فيما تحلم بأن يتحول مشروعها لاحقاً إلى مصنع صغير لإنتاج مختلف أنواع المرطبات.

بالنسبة إلى هالة، وفّر لها المطبخ العائلي فرصة للعمل وتحقيق دخل يساعدها على تلبية حاجياتها ومساندة أسرتها، حتى إنها أهدت والدتها رحلة لأداء العمرة العام الماضي.

وتقارن هالة وضعها بوضع زميلات لها في الدراسة لا يزلن إلى اليوم يعانين البطالة، ويبحثن عن عمل من دون جدوى. وتقول إن العمل من المنزل قد يمنح المرأة فرصة لتحقيق الاستقلال المالي ويقيها من البطالة، مضيفة: "يكفي أن تبحث عن مهارة تتقنها وتنزع عنها شكوكها ومخاوفها".

تقول بسمة الخبثاني، نائبة الاتحاد الجهوي للمرأة في منوبة، لـ"النهار"، إن ظاهرة تحويل المنازل إلى أماكن للعمل والإنتاج تتوسع في تونس، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع البطالة وصعوبة العثور على فرص عمل.

تبلغ نسبة البطالة في صفوف النساء في تونس 22.2 في المئة، وترتفع إلى 31.6 في المئة لدى حاملات الشهادات العليا، وهي نسب مرتفعة مقارنة بالذكور.

وتوضح الخبثاني بأن نساء كثيرات يتوجهن إلى الاتحاد للحصول على تكوين في حرفة أو مهارة، ثم يبدأن العمل من منازلهن بهدف توفير دخل إضافي من دون الحاجة إلى مغادرة البيت.

بسمة الخبثاني، نائبة الاتحاد الجهوي للمرأة في منوبة

وتشمل هذه الأنشطة إعداد العولة والحلويات والأكلات التقليدية، وصناعة التوابل والشمع والمضوغ، إضافة إلى صناعة الخبز التقليدي وإعداد وجبات أسبوعية لبعض العائلات.

وتقول الخبثاني إن هذه الأنشطة حوّلت عدداً من البيوت إلى "مصانع صغيرة"، ومنحت النساء فرصة لتحقيق قدر من الاستقلال المادي من دون التخلّي عن مسؤولياتهن الأسرية.

وتشارك بعض الحرفيات في المعارض بمساعدة من الاتحاد للتعريف بمنتجاتهن، وهو ما يساعدهن على توسيع شبكة الزبائن وفق المتحدثة. لكن نطاق النشاط يختلف من امرأة إلى أخرى. فبعضهن يعتمدن على زبائن الحي والمنطقة، وتنتشر منتجاتهن عبر التوصية من شخص إلى آخر، بينما تتمكّن أخريات من الوصول إلى أسواق أوسع بفضل قدرتهن على التسويق.

وتشير الخبثاني إلى أن ضعف الخبرة في التسويق يمثل أحد العوائق أمام نساء كثيرات، إذ يمتلكن المنتج والمهارة لكنهن لا يعرفن بالضرورة كيف يصلن بكل ذلك إلى عدد أكبر من الزبائن، خصوصاً أن عدداً منهن لا معرفة لهن بطرق التسويق الحديثة.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تساعد البعض منهن في تجاوز هذا العائق، وفق المتحدثة، خصوصاً عندما يتولى الأبناء أو الأزواج ممن لديهم معرفة بالعالم الرقمي إدارة صفحات المشاريع.

وتقول إن بعض النساء بدأن في الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي لإعداد الصور والفيديوهات والموادّ المستخدمة في الترويج لمنتجاتهن.