لايعتبر، مضيق هرمز ، مجرد ممر بحري يقع في منطقة الخليج، فالمضيق يمثل واحدة من أهم نقاط العبور البحرية في العالم، وتتجاوز أهميته حدود الدول المطلة عليه لتصل إلى أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد في مختلف القارات. وموقعه الجغرافي جعله جزءا أساسيا من منظومة حركة التجارة الدولية، الأمر الذي يجعل استقراره مسألة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية عالمية. وتنبع حساسية المضيق من طبيعة النشاط الذي يمر عبره، إذ تتحرك من خلاله ناقلات النفط والغاز وسفن الشحن التجارية المرتبطة بأسواق متعددة، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة قابلا للانتقال بسرعة من المستوى المحلي إلى الأسواق العالمية. فالسفينة التي تتأخر في الخليج قد تعني شحنة تصل متأخرة إلى ميناء في قارة أخرى، وأي زيادة في تكلفة التأمين أو النقل يمكن أن تجد طريقها في نهاية المطاف إلى أسعار السلع والطاقة. هذه الحقيقة تفسر الاهتمام الدولي المستمر بأمن مضيق هرمز، إذ لا يرتبط الأمر فقط بحماية الملاحة في منطقة جغرافية محددة، وإنما بالحفاظ على أحد المسارات التي تعتمد عليها حركة التجارة والطاقة العالمية. ولذلك فإن استقرار المضيق يمثل مصلحة مشتركة للدول المنتجة للطاقة والدول المستوردة لها، ولشركات الشحن والتأمين والموانئ، وللاقتصادات التي تعتمد على تدفق السلع بصورة منتظمة. وتزداد أهمية هذا الممر في ظل طبيعة الاقتصاد العالمي الحديث، الذي يقوم على الترابط بين الأسواق وسرعة انتقال التأثيرات من منطقة إلى أخرى. ولم تعد الأزمات البحرية شأنا محليا يمكن احتواؤه داخل حدود الدولة التي تقع فيها، لأن تعطيل طريق تجاري رئيسي يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في جداول التوريد والإنتاج والأسعار في أماكن بعيدة عن مصدر الأزمة. ومن هنا فإن التعامل مع مضيق هرمز باعتباره ممرا محليا يخضع بالكامل لإرادة طرف واحد لا يتناسب مع حقيقة دوره في الاقتصاد العالمي. فالمضيق يؤدي وظيفة تتجاوز الجغرافيا السياسية للدول المطلة عليه، وتستند أهمية استمرار الملاحة فيه إلى طبيعة استخدامه الدولي وموقعه ضمن شبكة الطرق البحرية العالمية. إن أمن هرمز ليس قضية تخص ناقلات النفط وحدها، بل قضية تتعلق بمفهوم أوسع هو أمن التجارة الدولية. وكلما ازدادت المخاطر المحيطة بالمضيق، ازدادت كلفة الحركة التجارية فيه، وتوسعت دائرة المتضررين من أي اضطراب قد يصيبه. السلوك الإيراني وتهديد حرية الملاحة في هذا السياق تبرز المخاوف المرتبطة بالسلوك الإيراني في مضيق هرمز، خصوصاً عندما تتخذ التهديدات المرتبطة بإغلاق المضيق أو تقييد حركة السفن أو فرض رسوم على العابرين طابعا سياسياً أو أمنياً. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بخلاف بين دولتين أو أكثر، وإنما بمبدأ أوسع يتصل بحرية الملاحة واستقرار الممرات البحرية المستخدمة في التجارة الدولية. ويمثل التلويح بإغلاق المضيق أحد أخطر أدوات الضغط، ليس فقط بسبب النتائج التي يمكن أن تترتب على الإغلاق الفعلي، وإنما أيضا بسبب التأثير الذي يتركه التهديد ذاته على الأسواق. فالأسواق لا تنتظر وقوع الأزمة بصورة كاملة حتى تبدأ في احتساب تكلفتها، وشركات النقل والتأمين والمستثمرون يتعاملون مع المخاطر قبل وقوعها، وهو ما يعني أن ارتفاع مستوى التوتر يمكن أن يرفع كلفة التجارة حتى في حال استمرار حركة السفن. وتزداد خطورة هذا السلوك عندما يصبح المرور البحري مرتبطا بالتطورات السياسية والعسكرية. فالسفن التجارية تعمل وفق جداول دقيقة، وشركات الشحن تحتاج إلى قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها. أما عندما تصبح إجراءات العبور عرضة للتغيير وفقا للظروف السياسية، فإن حالة عدم اليقين تصبح جزءا من تكلفة الرحلة نفسها. ولا تقف المشكلة عند التهديد بالإغلاق، ففكرة فرض رسوم على السفن العابرة تثير بدورها قضية تتجاوز الجانب المالي. فالمسألة الأساسية ليست مقدار الرسم الذي يمكن فرضه، وإنما المبدأ الذي يسمح بتحويل ممر بحري ذي أهمية دولية إلى أداة ضغط أو مصدر إيراد يقرر طرف واحد شروطه. ومن شأن مثل هذه الممارسات أن تفتح الباب أمام سابقة خطيرة في التعامل مع الممرات البحرية، بحيث تصبح حرية العبور مرتبطة بإرادة سياسية منفردة، وهو ما قد يشجع مستقبلا على استخدام ممرات أخرى كأدوات للمساومة والضغط. كما أن استمرار التهديدات يرفع احتمالات وقوع حوادث بحرية في منطقة تشهد حركة تجارية وعسكرية كثيفة. وكلما زادت القطع العسكرية والتحركات الأمنية حول السفن التجارية، زادت الحاجة إلى قواعد واضحة للاتصال والتنسيق ومنع سوء التقدير، لأن حادثا محدودا في بيئة متوترة قد يتطور بسرعة إلى أزمة أكبر. ولا يمكن أن تكون الملاحة التجارية رهينة للتصعيد السياسي. فالخلافات بين الدول يمكن إدارتها عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، لكن إدخال السفن التجارية وحركة الطاقة في دائرة الصراع يوسع نطاق الأزمة ويجعل تداعياتها أكثر تعقيدا. المخاطر الاقتصادية.. الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد يعد الاقتصاد العالمي من أول القطاعات التي تتأثر بأي اضطراب في مضيق هرمز. فالطاقة والتجارة البحرية مرتبطتان بصورة مباشرة باستقرار الممر، وأي تراجع في مستوى الأمان أو انتظام الحركة يمكن أن يرفع تكاليف النقل ويؤثر في أسواق النفط والغاز. ولا يحتاج الأمر إلى إغلاق كامل للمضيق حتى تبدأ التداعيات الاقتصادية. فارتفاع مستوى المخاطر الأمنية قد يؤدي وحده إلى زيادة أقساط التأمين، ورفع تكاليف الشحن، وزيادة الوقت الذي تحتاجه السفن لاتخاذ الإجراءات الاحترازية. وقد تدفع هذه العوامل الشركات إلى إعادة حساب مساراتها وجداولها التشغيلية. وفي حالة حدوث اضطراب واسع، يمكن أن تمتد التأثيرات إلى قطاعات أخرى. فارتفاع تكلفة الطاقة ينعكس على الصناعة والنقل والخدمات، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة الشحن إلى زيادة تكلفة السلع والمواد الخام. وفي اقتصاد عالمي شديد الترابط، تنتقل هذه الزيادة تدريجيا من شركة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر حتى تصل في بعض الحالات إلى المستهلك النهائي. وتكمن إحدى أخطر النتائج الاقتصادية في عنصر عدم اليقين. فالشركات تستطيع التعامل مع تكلفة مرتفعة إذا كانت معروفة ويمكن إدارتها، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما لا تعرف مدة الأزمة أو طبيعة الإجراءات التي قد تفرض غدا. ولذلك فإن حالة الغموض نفسها قد تؤثر في قرارات الاستثمار والإنتاج والتوريد. وقد تلجأ الشركات في مواجهة المخاطر إلى زيادة مخزوناتها أو تغيير مورديها أو إعادة تنظيم طرق النقل، وهي إجراءات قد تكون ضرورية لتقليل المخاطر لكنها تفرض في الوقت ذاته تكاليف إضافية. وإذا استمرت حالة عدم الاستقرار، فقد تتحول الإجراءات المؤقتة إلى تغييرات طويلة الأمد في شبكات الإمداد. وتتضاعف أهمية هذا الجانب بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات البحرية من الطاقة والمواد الخام. فاستقرار الإمدادات لا يتعلق فقط بوجود النفط والغاز، وإنما بقدرة المنتج على إيصالها إلى الأسواق في الوقت المناسب وبكلفة يمكن التنبؤ بها. ومن هنا فإن حماية مضيق هرمز تعني في أحد أوجهها حماية الاستقرار الاقتصادي العالمي. فالممر الآمن يخفف تكاليف النقل والتأمين ويحافظ على انتظام الإمدادات، بينما الممر المهدد يضيف طبقة من المخاطر إلى كل عملية تجارية تمر من خلاله. المخاطر الأمنية البعد الأمني لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادي، بل إن الاثنين يرتبطان بصورة مباشرة. فكلما ارتفع مستوى التهديدات التي تواجه السفن، أصبحت حركة الملاحة أكثر تعقيدا وازدادت الحاجة إلى إجراءات الحماية والمراقبة والاستجابة للطوارئ. وتكمن المشكلة في أن مضيق هرمز منطقة ضيقة وحساسة تشهد في الوقت ذاته حركة تجارية كثيفة ووجودا عسكرياً متزايداً في أوقات التوتر. وهذه البيئة تجعل احتمالات سوء التقدير قائمة، خصوصا إذا لم تكن هناك قنوات اتصال واضحة وقواعد دقيقة للتعامل بين الوحدات العسكرية والسفن التجارية. إن أمن الملاحة لا يعني فقط منع الهجمات المباشرة، وإنما يشمل أيضا ضمان قدرة السفن على التحرك دون تعرضها للمضايقة أو الاحتجاز أو التهديد، وتوفير بيئة يمكن فيها لقادة السفن وشركات النقل اتخاذ قراراتهم على أساس معلومات واضحة ومستقرة. ومن أخطر النتائج التي يمكن أن تترتب على استمرار التوتر تحويل المضيق تدريجيا إلى منطقة عالية المخاطر. وإذا وصلت شركات الشحن إلى قناعة بأن عبور المضيق أصبح يحمل مخاطر غير قابلة للتنبؤ، فإن ذلك سيؤثر في قراراتها التجارية حتى لو ظل الممر مفتوحا من الناحية النظرية. كما أن عسكرة الممر تحمل مخاطر إضافية على أمن المنطقة نفسها. فزيادة الوجود العسكري قد تكون مبررة في بعض الحالات لأغراض الردع والحماية، لكنها في الوقت ذاته تزيد عدد الأطراف المسلحة الموجودة في مساحة جغرافية حساسة، ما يجعل إدارة الحوادث وسوء الفهم أكثر أهمية من أي وقت مضى. ولهذا فإن حماية الملاحة تحتاج إلى توازن بين الردع والتهدئة. الردع ضروري لمنع الاعتداء على السفن والممرات البحرية، لكن التهدئة ضرورية أيضا لمنع تحول المضيق إلى ساحة مواجهة دائمة. العودة إلى آليات المرور السابقة قبل 28 فبراير في مواجهة هذه المخاطر، تبرز أهمية إعادة آليات المرور عبر مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير الماضي، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو استعادة الاستقرار والوضوح في حركة الملاحة. فالعودة إلى الآليات السابقة لا تعني فقط استعادة نمط عبور اعتادت عليه السفن، وإنما تعني إعادة بناء حالة من القدرة على التنبؤ. وهذه نقطة أساسية بالنسبة إلى شركات النقل التي تحتاج إلى معرفة الإجراءات والقواعد والمسارات قبل إرسال سفنها إلى منطقة عالية الحساسية. كلما كانت قواعد المرور واضحة وثابتة، تمكنت شركات الشحن من التخطيط للرحلات، وحددت شركات التأمين مستويات المخاطر بصورة أكثر دقة، واستطاعت الموانئ تنظيم عملياتها بما يتناسب مع حركة السفن المتوقعة. أما استمرار الإجراءات الاستثنائية أو المتغيرة، فإنه يبقي حالة عدم اليقين قائمة ويجعل كل رحلة عرضة لتقديرات جديدة. وهذا الوضع لا يخدم أي طرف على المدى الطويل، لأن تكلفة عدم الاستقرار لا تتحملها الشركات وحدها، بل تمتد إلى الاقتصادات التي تعتمد على حركة التجارة والطاقة. ومن المهم أن تكون العودة إلى آليات المرور السابقة جزءا من ترتيبات أوسع تضمن احترام قواعد الملاحة وعدم استخدام السفن التجارية كوسيلة للضغط السياسي. فالمطلوب ليس مجرد عبور السفن، وإنما ضمان أن تكون عملية العبور آمنة ومنتظمة وقابلة للاستمرار. وكلما طال أمد الاضطراب، ازدادت احتمالات أن تتخذ الشركات ترتيبات بديلة، ولذلك فإن استعادة الوضع الطبيعي في أسرع وقت ممكن تخدم مصالح المنطقة والاقتصاد العالمي معاً.