مصنع الأكاذيب من تل أبيب إلى باريس!

منذ اندلاع شرارة الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، انبرى اليمين العالمي للدفاع عن تقصير الحكومة الفرنسية في تأهيل مدراسها التعليمية وهيئاتها التربوية. وبينما خرج آلاف الطلّاب للمطالبة بحقوقهم التعليمية، شنّت جهات خارجية عدّة حملات تخوين وشيطنة حملت في طيّاتها مضامين عنصرية. في قلب هذا المشهد، لمع نجم العلم الفلسطيني في الساحات الفرنسية، برمزيته التي تختزل معنى الحريّة ومقاومة الظلم والرأسمالية. هنا استنفر الإعلام العبري الذي انقضّ على الأحداث، محاولاً أبلسة التحرّكات وتزوير الوقائع. هذا ما فعلته مراسلة قناة i24 news العبرية، نيريا كراوس، التي أطلّت على الهواء مباشرة من شوارع باريس، لتنقل آخر أخبار الاحتجاجات في البلاد. ادّعت لقاءها بـ «شاب باريسي» سألته عن رأيه بما يحصل، فأجاب بشكل مباشر، معتبراً أنّ هذه التحرّكات الشعبية عبارة عن «فوضى وعمليات تكسير وسرقة» بسبب «هؤلاء الراديكاليين الذين يقفون خلف هذه الاحتجاجات وهم لا يكترثون بمصير البلاد». وبطريقة عاطفية وحزينة، عبّر «المواطن» عن خوفه من الأوضاع قائلاً إنّ «إسرائيل» كانت على حقّ. حينها سألت المراسلة عن هويّته، فأجاب بأنّه يدعى «علي» و«أهله» من بغداد، ولذلك لا يمكنه التعبير عن دعمه للاحتلال على صوتٍ عالٍ. انتقلت كراوس لاستهداف رفع المحتجين الفرنسيّين الأعلام الفلسطينية، ودعَمَها «علي» عبر امتعاضه من الوجود غير المبرّر للعلم. في نهاية المقابلة، أكمل الطرفان المسرحية المعدّة مسبقاً: كراوس عبّرت عن افتخارها بيهوديتها، وأجابها «علي» بعبارة «ورحمة الله وبركاته». لكنّ ناشطي التواصل الاجتماعي استطاعوا سريعاً تحديد هويّة «علي» ليتبيّن أنّه ليس سوى حيزي غانغينا، المستوطن الذي يعيش في حيّ كفرشاليم (جنوب تل أبيب)، الذي أُنشئ على أنقاض قرية سلمة الفلسطينية في قضاء يافا بعد نكبة عام 1948! تأتي هذه المقابلة المزوّرة بالتزامن مع حملة شنّها غالبية ناشطي اليمين حول العالم. وتتلاقى شعارات هذا المعسكر، ومن بينهم مالك منصّة «إكس»، إيلون ماسك، على اتهام المحتجين بأنّهم عبارة عن مهاجرين مسلمين يحاولون تدمير الحضارة الغربية. وبينما لا تتوقف حملات شيطنة المتظاهرين واتهامهم بأعمال العنف والسرقة، إلّا أنّ الحكومة الفرنسية لم تعلن عن أي ضحيّة نتيجة الاحتجاجات التي انطلقت منذ حوالي الشهر. في المقابل، تعرّض الطلّاب الذين خرجوا من مئات المدارس الفرنسية اعتراضاً على حالة الثانويات السيئة وغياب التمويل والاكتظاظ وقلّة الكوادر التعليمية، لعنف موثّق من قبل الأجهزة الأمنية نتجت منه خسارة بعضهم لأطرافهم وأعينهم، فيما اعتقلت السلطات الآلاف منهم. في ظلّ تردّي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار النفط عالمياً جرّاء الحروب في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، انضمّت حركات نقابية ويسارية فرنسية إلى التحرّكات الشعبية المناهضة لسياسات الحكومة الفرنسية والرئيس إيمانويل ماكرون. بذلك، امتلأت الشوارع الفرنسية بعشرات آلاف المحتجين الذين ارتأوا بعلم فلسطين رمزاً ثورياً ينسجم مع معركتهم في مواجهة اختلالات الرأسمالية والممارسات البوليسية القمعية للأجهزة الأمنية.