الراوي في الاصطلاح اللغوي: تأتي لفظة «الراوي» من روى يروي ريًّا، ورواية، وهي في لسان العرب: «والراويةُ المَزادة فيها الماء، ويسمى البعير راوية على تسمية الشيء باسم غيره لقربه منه؛ قال لبيد: فتَوَلَّوْا فاتِراً مَشْيُهُمُ كَروايا الطَّبْعِ هَمَّتْ بالوَحَلْ.. ويقال للضَّعيف الوادِع: ما يَرُدُّ الراوية أَي أَنه يَضْعُف عن ردِّها على ثِقَلها لما عليها من الماء... والراوية: هو البعير أَو البغل أَو الحمار الذي يُستقى عليه الماء والرَّجل المستقي أَيضاً راوية. قال: والعامة تسمي المَزادة راوية، وذلك جائز على الاستعارة، والأَصل الأَول... وفي الحديث: أَنهُ، عليه الصلاة والسلام، سَمَّى السَّحابَ رَوايا البِلادِ؛ الرَّوايا من الإِبلِ: الحَوامِلُ للماء، واحدتها راوِيةٌ فشبَّهها بها، وبه سميت المزادةُ راويةً، وقيل بالعكس.. الجوهري: وقال يعقوب ورَوَيْتُ القومَ أَرْويهم إِذا استقيت لهم الماء...» من هنا نجد أن الأصل اللغوي للمادة «روي» هي السقاية وما يتعلق بها من إحضار الماء، والراوية وهي وإن أنثت لفظًا إلا أنها تطلق على الذكر والأنثى وهي تطلق على البعير وما في جنسه الذي يحمل الماء لأصحابه، وحينما تطلق على الذكر فهي تأتي للمبالغة كأن نقول: «علامة ونسابة وراوية» وبعد ذلك انتقلت اللفظة لتدل على الرجل الذي يحمل الماء إلى أهله أو قومه، وهنا كان أول مجاز في استخدام الكلمة «الراوية». بعد ذلك وكما يذكر صاحب اللسان انتقلت اللفظة في العصر الجاهلي -أي في الوقت المبكر من اللغة - لتكون لمن يحفظ شعر شاعرٍ لينقله للناس ويؤديه وذلك جاء «في حديث عائشة -رضي الله عنها- أَنها قالت: تَرَوَّوْا شِعْر حُجَيَّة بن المُضَرِّبِ فإِنه يُعِينُ على البِرِّ، وقد رَوَّاني إِياه. ورجل راوٍ؛ وقال الفرزدق: أَما كان، في مَعْدانَ والفيلِ، شاغِلٌ.. لِعَنْبَسةَ الرَّاوي عليَّ القَصائدا؟ وراوِيةٌ كذلك إِذا كثرت روايتُه، والهاء للمبالغة في صفته بالرِّواية. ويقال: روَّى فلان فلاناً شعراً إِذا رواه له حتى حَفِظه للرِّواية عنه. قال الجوهري: رَوَيْتُ الحديث والشِّعر رِواية فأَنا راوٍ، في الماء والشِّعر،ج من قوم رُواة. ورَوَّيْتُه الشِّعر تَرْويةً أَي حملته على رِوايتِه، وأَرْوَيْتُه أَيضاً. وما زالت المفردة تطلق على شخصية ذات كيان حي موجود شاخص بين جماعة المستمعين فالراوية أو الراوي هو من يحفظ ويلقي الشعر أو الأخبار أو الحديث النبوي، بمعنى أنه مهنة يمتهنها الإنسان كما كانت في أصلها المجازي الأول مهنة من يحمل الماء إلى قومه، وفي الأصل هي تلك الإبل أو البهائم المستخدمة في نقل الماء، وقبل ذلك كانت القربة التي بها الماء تحديدًا. فالمصطلح إذا كان له ثلاث انتقالات في المعنى هي: المعنى الأصل (قربة الماء/ الإبل حاملة الماء)، (ساقي الماء من الرجال) وهو انتقال مجازي أول علاقته المحلية حيث نقل المعنى من المحل إلى صاحب الحال فأصبح يعني حامل الماء إلى قومه، انتقال مجازي ثاني علاقته المشابهة حيث شبه راوية الحديث النبوي وراوية الشعر براوي الماء فكما يسقي راوية الماء العطشى يسقي راوية الشعر والحديث النبوي القلوب والعقول. ثم يأتي المجاز الأخير وهو انتقال اللفظ من المادية الوجودية إلى المعنوية، حيث كان الراوية كائن ذا لحم ودم فأصبح كائنًا مجازيًا لا وجود حقيقي له، فالراوي حسب النظرية السردية شخصية افتراضية أوجدها المؤلف الحقيقي للنص، ووجودها يتصل بوجهة النظر أو زاوية الرؤية. الراوي في النظرية السردية: إن الخوض في مصطلح الراوي في النظرية السردية ينبغي علينا قبل الحديث عنه أن نتعرف بشكل موجز على ما هو السرد، ذلك لأن الراوي في الأدب العرب بل العالمي أيضًا كان كائنًا مشخصًا ماديًا حقيقيًا، فقد «هيمن على أفكار النقاد والقراء في الدراسات القديمة في النصف الأول من القرن التاسع عشر أن الراوي هو ذاته الكاتب، لكن بدأت هذه الرؤية تتغير وبدأ التفريق بين الاثنين حينما كتب «هنري جيمس» بحثه (فن الخيال) (The Art of Fiction) عام 1884م، ومع ذلك ظل الكثير من القراء البسطاء يعتقدون بأن راوي الحكاية في السرد هو ذاته كاتب النص...» إذ بعد هذا العام أصبح الراوي كائنًا مجردًا لا ينظر إليه بعين التشخيص وذلك من خلال النظرية السردية. الراوي في النظرية السردية إن مصطلح السرد اشتقت منه مصطلحات عديدة، ويهمنا مصطلح «الراوي» وما اشتق منه، وللأسف الشديد أن هناك خلط كبير في هذا المصطلح حيث إن المرادف الأجنبي له هو « Narrator» وهو مشتق من «Narration» لذلك قام كثير من المترجمين بإقصاء المصطلح العربي الأصيل ليحل محله الاشتقاق من المصطلح المترجم الذي هو «السارد»، مع خلط بعض القراء الذين يظنون أن «السارد» هو كاتب النص الحقيقي، و»الراوي» هو الصوت الذي يروي/ يسرد لنا السرد/ الحكاية. إن الراوي أصبح عنصرًا من عناصر البناء السردي أو الفني للقصة/الرواية/الحكاية فحين دراسة البناء السردي فإننا ندرس أربعة عناصر هي: الراوي والمروي له، الشخصيات، الفضاء السردي، الحدث. فالراوي أصبح جزءًا بل ركنًا رئيسًا في الدراسات السردية بوصفه أحد اللبنات أو القواعد الرئيسة في بناء السرد ويتوقف فهمنا للحكي في معرفتنا بالراوي ومكان تموضعه في الحكاية ودوره فيها. إن الدراسات السردية الحديثة وقعت مع الراوي في متاهات عديدة بحسب وجهات النظر والزوايا التي تنظر إليه، بل حتى النظريات النقدية الأخرى كما سنرى في المبحث اللاحق مع نظرية التلقي، فتم تقسيم الراوي إلى أشكال وأصناف عديدة بل تغيرت تسميته الاصطلاحية بحسب الطريقة التي تتعامل معه. الراوي والمروي له في نظرية التلقي: إن نظرية التلقي باختلاف دارسيها والباحثين فيها لم يصطلحوا على شيء باسم الراوي، ذلك أن آليات النظرية تعتمد على جانبين مهمين هي عملية الكتابة والتأليف وعملية تلقي الكتابة، لهذا فإن أهم أركان هذه النظرية هو الكاتب الضمني أو المؤلف الضمني أو مؤلف مقتضى أو مؤلف مجرد أو مؤلف معنيّ، ومن البداية نجد كم من المصطلحات العربية لمقابلة مصطلح أجنبي واحد هو «Auteur Implicite»، لكن شاع في الدراسات العربية أحد المصطلحين: «كاتب ضمني» أو «مؤلف ضمني» بالتنكير أو التعريف، ولكن من المعيب جدًا أن يستخدم الباحث أكثر من ترجمة للمصطلح في ذات البحث، وأرى أنه حتى في الاقتباسات عليه بتوحيد المصطلح في المقتبس والتنويه لذلك في الحاشية أو العكس. ولم يحظَ القارئ الضمني بترجمات عديدة له، بل اكتفي بـ»قارئ مقتضي» مع قارئ ضمني، ويترجمه السيد إمام بـ «الراوي الضمني» فكان نصيب هذا المصطلح أفضل من قرينه وبطبيعة الحال هو ترجمة للمصطلح الأجنبي «Lecteur Implicite». إن نظرية التلقي عانت كمصطلح في بدايات ترجمتها من تعدد الترجمات للمصطلح فنجد أنها قد ترجمت إلى «نظرية الاستقبال» وكذلك ترجمت إلى «جمالية التقبل» وأخيرًا ترجمت إلى «نظرية التلقي» عند عز الدين إسماعيل وذلك من خلال ترجمته لكتاب «نظرية التلقي» لـ»روبرت هولب». إن النظرية تعتمد على مرتكزين اثنين هما المؤلف والقارئ، لكن ليس المؤلف الحقيقي للنص بل ما تصطلح عليه النظرية باسم المؤلف الضمني، وكذلك القارئ فهو ليس قارئًا حقيقيًا بل قارئًا ضمنيًا. ويخلط الكثير بين المؤلف الضمني والراوي في حين أن النص السردي أي نص سردي له مؤلف ضمني واحد، وقد يتعدد الرواة فيه، فالمؤلف الضمني « لا يحكي مواقفًا وأحداثًا» وإنما هو المسؤول عن اختيار المواقف وتوزيعها وخلق الشخصيات. كذلك كما أن النص السردي له مؤلف ضمني واحد قد يتعدد مؤلفوه الحقيقيون، كما أن المؤلف الحقيقي قد يكون له عدة نصوص، أما النص السردي فليس له إلا مؤلف ضمني واحد. وكما ذكرنا بأن هناك أوجه تقاطع بين الراوي والمؤلف الضمني وأوجه اختلاف، نبينها في الجدول التالي: على سبيل المثال إن المؤلف الضمني في رواية ما، قد يتشكل لنا من خلال قراءة النص أنه شخص يقدس العائلة والاستقرار، وفي رواية أخرى العكس، مع العلم أنه قد تكون الروايتين لمؤلف واحد وكتبتا في نفس الفترة الزمنية. عبد الجليل الحافظ