مصطفى فكري يكتب: محمد الإتربي رئيس البنك الأهلي المصري.. سيرة قائد صنعتها الخبرة وخلّدتها الإنجازات وزيّنتها الإنسانية

ليست كل المسيرات المهنية سواء، ولا كل القيادات تُقاس بعدد المناصب التي تولتها، فهناك من يصل إلى القمة بفعل الظروف، وهناك من يصنع مكانته خطوة بعد أخرى، حتى يصبح اسمه جزءًا من تاريخ المؤسسة التي قادها، والقطاع الذي أسهم في تطويره.

ومن بين هذه النماذج تبرز مسيرة المصرفي الكبير محمد محمود الإتربي، الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، ورئيس مجلس إدارة اتحاد بنوك مصر، ورئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف العربية، في واحدة من المسيرات المصرفية المصرية والعربية التي امتدت لأكثر من خمسة وأربعين عامًا.

بدأ الأستاذ محمد محمود الإتربي رحلته المصرفية عام 1977، ولم تكن بدايته من قمة الهرم الإداري، وإنما من الصفوف الأولى للعمل المصرفي، قبل أن ينتقل بين عدد من المؤسسات المصرفية، ويتدرج في المسؤوليات، ويكتسب خبرات متنوعة، وصولًا إلى قيادة مؤسسات مصرفية كبرى في مصر، ثم الانتقال إلى مساحة أوسع من المسؤولية على مستوى القطاعين المصري والعربي.

وتؤكد البيانات المنشورة عن اتحاد بنوك مصر أن مسيرته تمتد لأكثر من 45 عامًا، وأنها ارتبطت بقيادة جهود النمو المستدام والتحول الرقمي وتطوير البنية التحتية للأنشطة المصرفية.

لكن قصة المصرفي الكبير والنبيل السيد الأستاذ محمد الإتربي رئيس البنك الأهلي المصري لا تختصرها المناصب.

فالأرقام تستطيع أن تسجل نمو الأصول والودائع والأرباح، والتقارير تستطيع أن توثق عدد الفروع والعملاء وحجم التمويلات، والجوائز تستطيع أن تسجل جانبًا من التقدير المهني، إلا أن هناك جانبًا آخر لا تستطيع الميزانيات وحدها قياسه؛ وهو أثر القائد في الإنسان والمؤسسة والمجتمع.

فهو لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية، ولا يكتفي بتعداد المناصب، وإنما يحاول قراءة مسيرة مهنية طويلة من زوايا متعددة: البدايات، والتدرج، وصناعة القرار، وقيادة المؤسسات الكبرى، ودعم الاقتصاد الوطني، والتحول الرقمي، والشمول المالي، وإدارة المخاطر، والعمل المصرفي العربي، ثم الجانب الإنساني الذي يمثل أحد أكثر ملامح هذه الشخصية حضورًا في شهادات من عرفوه عن قرب.

الفصل الأول من الصفوف الأولى إلى صناعة القائدهناك شخصيات تصل إلى مواقع القيادة عبر مسارات سريعة، وهناك شخصيات تجعل من كل مرحلة مدرسة جديدة.

والأستاذ محمد الإتربي ينتمي إلى النوع الثاني.

بدأ حياته المصرفية عام 1977 مع البنك العربي الأفريقي الدولي، ثم انتقل إلى بنك الائتمان الدولي، قبل أن ينضم عام 1983 إلى بنك مصر الدولي، الذي أصبح لاحقًا بنك قطر الوطني الأهلي، حيث أمضى أكثر من 22 عامًا وتدرج خلال هذه الفترة في العديد من المناصب المصرفية العليا.

وتكشف هذه المرحلة جانبًا مهمًا في تكوينه؛ إذ لم تكن خبرته وليدة منصب واحد أو مؤسسة واحدة، وإنما جاءت من احتكاك طويل ومباشر بتفاصيل العمل المصرفي المختلفة.

فالقائد الذي يبدأ من الصفوف الأولى يتعلم تفاصيل العمل من الداخل، ويعرف طبيعة التحديات التي يواجهها الموظف، والمدير، وصانع القرار، ويكتسب تدريجيًا القدرة على رؤية المؤسسة من زوايا متعددة.

ولذلك لم يكن التدرج في حالة الإتربي مجرد انتقال وظيفي، وإنما كان بناءً متراكمًا للخبرة.

ثم رئيسًا لاتحاد بنوك مصر واتحاد المصارف العربية.

وهنا تكمن قيمة الرحلة: كل منصب جاء بعد خبرة، وكل مسؤولية مهدت للمسؤولية التي تليها.

الفصل الثاني محطات صنعت الخبرة قبل الوصول إلى القمة بعد سنواته الأولى في العمل المصرفي، انتقل الإتربي إلى مرحلة أكثر اتساعًا من المسؤولية.

وفي سبتمبر 2005 تولى منصب عضو ونائب رئيس مجلس إدارة البنك العقاري المصري العربي، ثم عُين عام 2009 عضوًا منتدبًا لبنك الاستثمار العربي، قبل أن يعود عام 2011 رئيسًا لمجلس إدارة البنك العقاري المصري العربي.

وفي يناير 2013 تولى منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للبنك المصري الخليجي، واستمر في هذا المنصب حتى نهاية عام 2014.

هذه المحطات المتعددة صنعت مزيجًا من الخبرات يصعب اكتسابه من خلال العمل في مؤسسة واحدة فقط.

فكل بنك له طبيعته، وكل مرحلة اقتصادية لها تحدياتها، وكل مجلس إدارة له أولوياته، وكل سوق مصرفي يفرض على قياداته أن تتعامل مع متغيراته.

ومن هنا أصبح الإتربي يمتلك خبرة تجمع بين الإدارة والتنفيذ، والتمويل والاستثمار، وإدارة المؤسسات، والتعامل مع المتغيرات الاقتصادية.

وكانت هذه الخبرة هي التي مهدت للانتقال إلى واحدة من أهم محطات حياته المهنية.

الفصل الثالث بنك مصر.. تسع سنوات في قيادة مؤسسة وطنية عريقة في يناير 2015 تولى محمد الإتربي رئاسة مجلس إدارة بنك مصر.

لم تكن المهمة قيادة بنك عادي، وإنما قيادة مؤسسة ارتبط اسمها بتاريخ الاقتصاد المصري منذ تأسيسها على يد الاقتصادي الوطني طلعت حرب.

وكان التحدي مزدوجًا: الحفاظ على قوة المؤسسة التاريخية، وفي الوقت نفسه تطويرها لتواكب المستقبل.

وخلال الفترة من 2015 إلى 2024، قاد الإتربي بنك مصر في مرحلة شهدت توسعًا وتطورًا كبيرًا في المؤشرات والأنشطة والخدمات، وهو ما وثقه البنك نفسه عند تكريمه بعد انتهاء فترة رئاسته، مشيرًا إلى أن الإتربي تولى رئاسة مجلس الإدارة خلال الفترة من 2015 إلى 2024.

لم تكن تلك السنوات مجرد فترة إدارية، وإنما مرحلة شهدت توسعًا في قاعدة العملاء، وتطويرًا للخدمات، وتوسعًا في الحلول الرقمية، وتعزيزًا لدور البنك في تمويل قطاعات مختلفة من الاقتصاد.

التحول الرقمي أدركت الإدارة ممثلة في الأستاذ محمد الاتربي خلال تلك السنوات أن مستقبل المصرفية لن يكون قائمًا فقط على الفروع التقليدية.

فالعميل يريد خدمة أسرع، وأكثر سهولة، ومتاحة على مدار الساعة.

ومن هنا أصبح التحول الرقمي أحد المحاور الرئيسية في تطوير الخدمات المصرفية، إلى جانب التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني وتطوير البنية التكنولوجية.

الشمول المالي وفي الوقت نفسه، لم يكن التوسع المصرفي يستهدف فقط العملاء التقليديين، وإنما اتجه إلى إدماج شرائح أوسع من المجتمع في المنظومة المالية الرسمية.

ومختلف الفئات التي تحتاج إلى خدمات مالية أكثر مرونة.

وكان الهدف الأوسع هو تحويل القطاع المصرفي إلى شريك في التنمية، وليس مجرد مقدم للخدمة المصرفية.

تمويل الاقتصاد خلال هذه المرحلة لعب بنك مصر دورًا في ترتيب وتمويل مشروعات وقطاعات مختلفة، بما في ذلك الصناعة والطاقة والبنية الأساسية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ومن أمثلة ذلك توقيع البنك في يوليو 2024 اتفاقية تسهيل ائتماني بقيمة 500 مليون جنيه مع شركة «تنميه» لدعم تمويل الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر.

وهكذا أصبح مفهوم التمويل لدى البنك مرتبطًا بصورة أوسع بدعم النشاط الاقتصادي.

لحظة الوداع وفي سبتمبر 2024، كرم بنك مصر محمد الإتربي بعد انتهاء فترة رئاسته، في احتفالية جمعت قيادات البنك وعددًا من المسؤولين السابقين.

وقد وثق بنك مصر رسميًا تكريم الإتربي بوصفه رئيس مجلس الإدارة السابق خلال الفترة من 2015 إلى 2024.

وكانت تلك اللحظة بمثابة نهاية فصل كامل من مسيرته، لكنها لم تكن نهاية الرحلة.

الفصل الرابع من بنك مصر إلى البنك الأهلي المصريفي سبتمبر 2024، انتقل الأستاذ محمد الإتربي إلى قيادة البنك الأهلي المصري، المؤسسة المصرفية الأكبر في البلاد.