أن الكلمة أقوى من دانة المدفع، لأن المدفع قد يهدم بناءً أو ينهي معركة، أما الكلمة فقد تبني إنسانًا، وتُصلح أسرة، وتصنع أجيالًا، وقد تهدم النفوس، وتزرع الفتنة، وتدمر العلاقات، ويظل أثرها باقيًا في القلوب والعقول لسنوات طويلة، مشددًا على أن مسؤولية الكلمة أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وسرعة تداول المعلومات.
وأكد أن هذا المعنى يتجلى في هدي النبي ﷺ، إذ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، في توجيه نبوي عظيم يجعل الكلمة مسؤولية وأمانة، ويؤكد أن الصمت خير من النطق بما يسيء إلى الآخرين أو يثير الفتن، وأن الكلمة الطيبة عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله، كما أن الكلمة السيئة قد تكون سببًا في الإثم والندم، وهو ما يفرض على الجميع، خاصة في عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، التثبت قبل الحديث أو النشر، وتحري الصدق والقول الحسن في كل ما يصدر عنهم.
وأوضح أن الكلمة الطيبة تفتح أبواب الأمل، وتمنح الإنسان قوة للاستمرار، وتزرع روح المحبة والتسامح والانتماء، بينما قد تؤدي كلمة قاسية أو متسرعة إلى هدم علاقة، أو كسر خاطر، أو إشعال فتنة، أو إحباط إنسان كان في أمسّ الحاجة إلى كلمة تشجيع ودعم، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأزمات تبدأ بكلمة، كما أن كثيرًا من الحلول يبدأ أيضًا بكلمة صادقة ومخلصة.
وأضاف: "ليس أخطر ما في الكلمة أنها تُقال، بل أنها قد تُصدَّق، ثم تُنقل، ثم تتحول إلى قناعة، وربما إلى قرار يغيّر حياة إنسان بأكملها".
وأشار إلى أن الكلمة لم تعد حبيسة المجالس، بل أصبحت تنتشر في ثوانٍ عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يضاعف مسؤولية كل من يكتب أو يتحدث أو ينشر، لأن الكلمة قد تُصلح مجتمعًا، وقد تُحدث ضررًا واسعًا إذا استُخدمت بغير علم أو مسؤولية.
أن الدين الإسلامي أولى الكلمة عناية فائقة، وجعلها أمانة يُحاسب عليها الإنسان، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، في تأكيد واضح على أن صلاح الكلمة من صلاح الدين والدنيا، وأن كلمة واحدة قد تكون سببًا في رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة، أو سببًا في هلاكه، وهو ما يستوجب التروي قبل الحديث، وتحمل مسؤولية كل ما يُقال أو يُكتب.
ودعا الإعلاميين، وصناع المحتوى، ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحري الدقة فيما ينشرونه، والابتعاد عن الإساءة، والتشهير، والتنمر، وإطلاق الأحكام دون علم أو دليل، مؤكدًا أن الكلمة أمانة، وأن ما يُنشر في لحظات قد يترك آثارًا تمتد لسنوات، وقد يؤثر في الأفراد والأسر والمجتمع بأكمله.
وفي هذا السياق، تبرز عظمة تعاليم الإسلام في حماية الإنسان من ظلم الآخرين بالكلمة أو بالحكم عليهم دون بينة، فقد قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وهي دعوة صريحة إلى تجنب سوء الظن الذي قد يتحول إلى كلمات جارحة أو اتهامات باطلة تهدم العلاقات وتزرع العداوة بين الناس.
كما أن الإسلام يؤكد أن النية محلها القلب، وأن الله سبحانه وتعالى وحده هو العليم بما تخفيه الصدور، ولذلك قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
ومن ثم فلا يجوز لأحد أن يحاكم نيات الناس أو يفسر كلماتهم وفق ظنونه وأهوائه، لأن النيات يعلمها الله وحده، بينما يبقى الإنسان مسؤولًا عن كلمته التي ينطق بها، فهي قد تكون سببًا في إصلاح القلوب أو إفسادها، وفي رفع صاحبها أو هلاكه، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا».
وأضاف: الكلمة لا تُقاس بعدد حروفها، بل بحجم أثرها؛ فقد ترفع إنسانًا بعد أن أنهكه اليأس، وقد تهدم مستقبلًا بُني في سنوات، وقد تُصلح بين متخاصمين، وقد تشعل فتنة تمتد آثارها لأجيال.
لذلك كانت مسؤولية اللسان من أعظم المسؤوليات، لأن الكلمة إذا خرجت من الفم لم تعد ملكًا لصاحبها، بل أصبح صاحبها مسؤولًا عنها أمام الله وأمام الناس والتاريخ.
واختتم قوله: قد ينسى الإنسان المال الذي قدمته له، وقد ينسى المعروف بعد حين، لكنه لا ينسى كلمة طيبة أحيت الأمل في قلبه، ولا كلمة جارحة كسرت خاطره.
فلنجعل كلماتنا جسرًا للمحبة، لا سببًا للفرقة، ورسالةً للإصلاح والبناء، لا أداةً للهدم، فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الصادقة مسؤولية، وأثرهما يبقى في الدنيا، ويجده الإنسان عند الله يوم القيامة.
وفي ختام رسالته أكد أن بناء الأوطان لا يكون بالسلاح وحده، وإنما يبدأ ببناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ بالفكر، والفكر تصنعه الكلمة.
فإذا كانت دانة المدفع قد تُدمّر حجرًا، فإن الكلمة قد تُدمّر بشرًا أو تبني حضارة، ولذلك كانت الكلمة بحق أقوى من دانة المدفع.
فلتكن كلماتنا نورًا لا نارًا، وبناءً لا هدمًا، ورحمةً لا قسوةً، ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقول النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
فالكلمة قد تُغيّر مصير إنسان، وقد تُصلح مجتمعًا، وقد تصنع أمة، ولذلك كانت بحق أقوى من دانة المدفع.