مصطفى فكري يكتب: العلم والخبرة والعطاء.. ثلاثية صناعة الإنسان المؤثر

ليست الشهادة في حقيقتها ورقة تُعلَّق على جدار، ولا لقبًا يُضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما قيمة حقيقية تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى وعي، ويتحول العلم إلى مسؤولية، وتتحول الخبرة إلى خدمة للإنسان والمجتمع.

وفي عالم تتغير فيه الجريمة وتتطور أدواتها وأساليبها بصورة متسارعة، لم يعد التعامل معها قائمًا فقط على الوسائل التقليدية، وإنما أصبح العلم والتكنولوجيا والتدريب المتخصص عناصر أساسية في منظومة الكشف الجريمة ومكافحتها وتحقيق العدالة.

ومن هنا تبرز أهمية البرامج العلمية والتدريبية المتخصصة التي تفتح آفاقًا جديدة أمام العاملين في المجالات المرتبطة بالعدالة وإنفاذ القانون والعمل الحكومي، وتمنحهم القدرة على مواكبة التطورات الحديثة، وفهم الأنماط الجديدة للجريمة، والتعامل مع الأدلة والتقنيات المستحدثة وفق أسس علمية ومهنية.

ومن النماذج المهمة في هذا المجال البرنامج التدريبي «المداخل والتقنيات الحديثة للكشف الجريمة ومكافحتها»، الدورة رقم «6»، الذي نظمه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية خلال الفترة من 28 أبريل 2024 حتى 28 يوليو 2024، بإجمالي 350 ساعة تدريبية.

وليس من قبيل المبالغة القول إن مثل هذه البرامج تمثل استثمارًا حقيقيًا في الإنسان؛ لأن بناء القدرات البشرية يظل أحد أهم عناصر بناء المؤسسات القادرة على مواجهة التحديات الجديدة.

وقد جاء البرنامج في إطار سعي المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية للنهوض برسالته ليصبح مركزًا متميزًا ومرجعًا إقليميًا للتدريب في مجال الكشف الجريمة ومكافحتها، من خلال تقديم أفضل خدمات التأهيل والتدريب للكوادر العاملة في هذا الشأن، وتبني وتطوير المقاربات والممارسات المسندة علميًا، بما يتوافق مع التطورات التكنولوجية والعلمية الحديثة، وبما يلبي احتياجات المجتمع التدريبية.

وطرح المركز رؤية جديدة للبرنامج التدريبي بالاستعانة بالتقنيات الحديثة، مستلهمًا الخبرات الدولية، ومستندًا إلى خبرة وطنية عميقة بدأت منذ إنشاء المركز عام 1955 وحتى اليوم.

حين تتغير الجريمة.. يجب أن تتغير أدوات مواجهتها الجريمة لم تعد كما كانت في الماضي.

فإلى جانب مسرح الجريمة التقليدي والأدلة المادية والأسلحة النارية والسموم والمخدرات والتزييف والتزوير، ظهرت أنماط جديدة من الجرائم فرضتها الثورة التكنولوجية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ولهذا تناول البرنامج خمسة محاور رئيسية، بدأت بالتقنيات الحديثة في الكشف الجريمة ومكافحتها، وتضمنت موضوعات مسرح الجريمة والأدلة المادية، وقواعد الإثبات الجنائي، وأنواع الأدلة وقيمتها الاستدلالية، وتخطيط العمل في مسرح الجريمة وتنظيمه وتنسيقه، وتسجيل الأدلة المادية واستخراجها وحفظها، والتقنيات الفنية للتعامل مع الأثر المادي في التحقيق الجنائي.

كما تناول دور الأدلة الجنائية والطب الشرعي في كشف غموض الجريمة وتحقيق العدالة، وأهمية البصمة الوراثية في التحقيقات الجنائية ودورها في كشف غموض الجرائم.

وتناول كذلك تحليل السموم والمخدرات، والتعرف على الأنواع المستحدثة من المخدرات وطرق تحليلها، والمنهجيات والتقنيات الحديثة لتحليل السموم والمخدرات، والقدرة على تفسير نتائج التحاليل الجنائية بصورة علمية سليمة ومطابقتها مع الحالة.

وامتد إلى مهارات كشف التزييف والتزوير، وفحص ومضاهاة التوقيعات وتحليل الخطوط، وكشف التزوير بالإضافة والحذف والتعديل والطمس والمحو الآلي والكيميائي الواقع على المستندات والشيكات، إلى جانب جرائم الائتمان المصرفية.

كما تناول الكشف آثار الأسلحة النارية، والمعلومات الأساسية عن الأسلحة النارية، وتحديد رؤوس المقذوفات واتجاه الإطلاق، وحجية الآثار المادية للأسلحة النارية في الإثبات الجنائي.

الإرهاب والجريمة المنظمة.. معركة تحتاج إلى علم ووعي لم يعد الإرهاب والجريمة المنظمة قضيتين منفصلتين عن التطورات الدولية والإقليمية، وإنما أصبحت مواجهتهما تحتاج إلى فهم عميق لتطور الظاهرة، وأدوات التنظيمات، وطرق التمويل، وأساليب العمل، وأطر التعاون الدولي والإقليمي.

ولهذا تناول محور الإرهاب والجريمة المنظمة مفاهيم وقضايا الإرهاب وتطورها التاريخي، والاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب، وتصنيف الجماعات الإرهابية، والتعاون الدولي والإقليمي، والظروف المساعدة على انتشار الإرهاب.

كما تناول خصائص التنظيمات الإرهابية، وتحليل العقلية المتطرفة، ومنهج القادة وتكتيكاتهم العملياتية وعمليات التمويل، وتدابير العدالة الجنائية المناهضة للإرهاب، والإطار القانوني لمكافحة الإرهاب على المستويين الوطني والدولي.

وتناول كذلك الجريمة المنظمة، وأسبابها والعوامل الميسرة لها، ونماذج الجماعات الإجرامية المنظمة، وأدوات إنفاذ القانون والتعاون، واستراتيجيات الملاحقة القضائية، وإصدار أحكام الإدانة والمصادرة، والتعاون الدولي لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والصكوك الدولية المتصلة بها، والروابط بين الجريمة المنظمة والإرهاب.

وهنا ندرك أن مواجهة الجريمة ليست مسؤولية جهاز واحد، وإنما منظومة متكاملة من المعرفة والقانون والمؤسسات والتعاون والتنسيق.

الجريمة السيبرانية.. الوجه الجديد للجريمة ربما كان من أبرز ما يميز هذا البرنامج اهتمامه بالجرائم السيبرانية والجرائم الإلكترونية وأمن المعلومات.

فالعالم الرقمي أوجد فرصًا هائلة للتنمية والتواصل والمعرفة، لكنه في الوقت نفسه أوجد مساحات جديدة لارتكاب الجرائم.

ولهذا تناول البرنامج مدخلًا إلى الجريمة السيبرانية وأنماطها العامة، وسمات وخصائص الجرائم الإلكترونية ومقارنتها بالجرائم التقليدية، وعلم الاستدلال الجنائي الرقمي، والتعاون الدولي في مكافحة الجريمة السيبرانية، والأمن السيبراني ودرء الجريمة السيبرانية، والاستراتيجيات والسياسات والبرامج.

كما تناول جرائم الملكية الفكرية التي يتيح الفضاء الإلكتروني ارتكابها، وطبيعة الجرائم الإلكترونية وخصائصها وأنواعها، وجريمة غسل الأموال إلكترونيًا، وطرق تأمين المعلومات، واختراق الأجهزة والمواقع والشبكات الإلكترونية، واستخلاص الأدلة وضبطها، والتجارب المحلية والدولية في مجال مكافحة جرائم المعلومات.

وهذا يؤكد حقيقة مهمة: من يريد مواجهة جريمة المستقبل، عليه أن يتعلم أدوات المستقبل.

الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين ومكافحة الفساد امتدت الموضوعات إلى الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، باعتبارهما من الجرائم التي تتجاوز حدود الدولة وتتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا.

وتناول البرنامج تعريف الاتجار بالأشخاص، وتهريب المهاجرين كنوع خاص من الجرائم، وتدابير العدالة الجنائية المناهضة لتهريب المهاجرين، ومنع تهريب المهاجرين وتدابير التصدي المتخذة خارج نظام العدالة الجنائية، ودور المجتمع المدني في مكافحة الاتجار بالأشخاص، وأوجه الاختلاف والتشابه بين تهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص، وأوجه الترابط بين الجريمة السيبرانية وتهريب المهاجرين والاتجار بالأشخاص.

كما تناول مكافحة الفساد بين الأطر الدولية والسياسات والقوانين الوطنية، وماهية الفساد وكيف يؤثر علينا، والفساد والحوكمة الرشيدة، والفساد في القطاعين العام والخاص، والأطر الدولية الخاصة بمكافحة الفساد.