مصطفى فكري يكتب: الصكوك الضريبية نقلة نوعية في إدارة التمويل العام وتفتح آفاقًا جديدة أمام الممولين والدولة

تمثل موافقة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية على مقترح إصدار الصكوك الضريبية خطوة مهمة في إطار تطوير المنظومة المالية والضريبية المصرية، مؤكدًا أن هذه الأداة يمكن أن تسهم في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والممول، فضلًا عن توفير مصدر تمويلي جديد يساعد على خفض الاحتياجات التمويلية وتقليل تكلفة خدمة الدين.

و تأتي أهمية الصكوك الضريبية من كونها تجمع بين البعد الضريبي والبعد التمويلي في أداة واحدة، موضحًا أن الفكرة تقوم على قيام الممولين بتمويل الصكوك، على أن يتم خصم قيمتها من مستحقاتهم الضريبية المستقبلية، مع حصولهم على عائد مناسب، وفقًا للقواعد والإجراءات التي ستحددها وزارة المالية ومصلحة الضرائب.

إن هذا التوجه يحمل فلسفة اقتصادية مهمة، تتمثل في الاستفادة من السيولة المتاحة لدى الممولين في توفير تمويل حالي للدولة، بدلًا من الاعتماد بصورة كاملة على أدوات الاقتراض التقليدية، بما يمكن أن يساعد على تقليل الاحتياجات التمويلية، ومن ثم خفض تكلفة خدمة الدين، وهو الهدف الذي تم الإعلان عنه مع الموافقة على المقترح.

الصكوك الضريبية ليست فكرة مستحدثة من الناحية التشريعية، إذ سبق أن نصت المادة 115 من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 على جواز إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون وتحمل عائدًا معفى من الضرائب يحدده وزير المالية، مع منح هذه الصكوك والعوائد المستحقة عليها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة.

الجديد في المرحلة الحالية هو الانتقال من الإطار التشريعي إلى مرحلة التفعيل والتنفيذ الفعلي للأداة، خاصة بعد الموافقة الرئاسية على المقترح، والإعلان عن قرب صدور القواعد والإجراءات المنظمة لها.

إعلان مصلحة الضرائب عن قرب إصدار القواعد التنظيمية خلال نحو ثلاثة أسابيع يمثل خطوة شديدة الأهمية، لأنها ستكشف التفاصيل العملية التي ستحدد كيفية عمل الصكوك الضريبية على أرض الواقع، وفي مقدمتها الفئات التي يحق لها الاكتتاب، وقيمة الإصدار، ومدة الصك، وسعر العائد، وكيفية احتساب العائد، وآليات التسوية، والضرائب التي يمكن استخدام الصك في سدادها، فضلًا عن الضوابط الخاصة بالتعامل مع الصكوك.

ومن أهم النقاط التي ينبغي أن تتضمنها القواعد التنفيذية تحديد العلاقة بدقة بين قيمة الصك والالتزامات الضريبية المستقبلية للممول، بحيث تكون هناك منظومة واضحة وشفافة تمنع حدوث أي لبس أو ازدواج في التسوية، وتضمن في الوقت نفسه حقوق الدولة والممول على حد سواء.

كما يجب أن تعتمد منظومة الصكوك الضريبية على التحول الرقمي بصورة كاملة، بحيث يتم ربط الصك بالملف الضريبي للممول، وإثبات قيمته والعائد المستحق عليه، ومتابعة استخدامه وتسويته إلكترونيًا، بما يحد من فرص الخطأ أو التلاعب، ويسهم في تحقيق أعلى درجات الشفافية والحوكمة.

ويتوقف نجاح التجربة بدرجة كبيرة على سعر العائد، مشيرًا إلى أن الهدف الاقتصادي الأساسي هو توفير تمويل للدولة بتكلفة مناسبة تقل قدر الإمكان عن تكلفة الاقتراض التقليدي البديل، وفي الوقت نفسه يكون العائد جذابًا بما يكفي لتشجيع الممولين على الاكتتاب.

المعادلة الاقتصادية للصكوك الضريبية تقوم على تحقيق مصلحة مشتركة؛ فالدولة تحصل على تمويل حالي، والممول يحصل على عائد، ثم تتم تسوية قيمة الصك وفق القواعد المحددة مع التزاماته الضريبية المستقبلية.

الصكوك الضريبية لا تعني إعفاء الممول من أصل الضريبة، ولا تمثل إلغاءً للالتزام الضريبي، وإنما هي أداة لتنظيم وتمويل وتسوية الالتزامات الضريبية المستقبلية وفقًا للقواعد التي ستصدرها الجهات المختصة.

ويجب عدم الخلط بين الصكوك الضريبية والصكوك السيادية، مؤكدًا أن الصكوك الضريبية ترتبط بصورة مباشرة بالالتزامات الضريبية المستقبلية للممولين، بينما الصكوك السيادية تعد أداة تمويل حكومي مختلفة تخضع للإطار التشريعي المنظم لها.

الصكوك الضريبية يمكن أن تمثل إضافة مهمة إلى أدوات إدارة الدين والتمويل العام إذا جرى تصميمها بصورة متوازنة، مشيرًا إلى أن نجاحها لا يقاس فقط بحجم الأموال التي يمكن أن توفرها للخزانة العامة، وإنما أيضًا بقدرتها على خفض تكلفة التمويل، وتحسين إدارة السيولة، وتعزيز الثقة بين الدولة والممولين.

و من أهم عوامل نجاح التجربة أن تكون قواعدها واضحة ومستقرة، وأن يتمتع الممول باليقين الكامل بشأن حقوقه والتزاماته، وخاصة فيما يتعلق بالعائد، وموعد الاستحقاق، وطريقة استخدام الصك في سداد الضرائب، وآلية التعامل معه في حالة تغير حجم الالتزامات الضريبية المستقبلية للممول.

اختيار الطابع الاختياري للاكتتاب يمثل نقطة إيجابية، لأنه يجعل نجاح الأداة قائمًا على جاذبيتها الاقتصادية وليس على الإلزام، وهو ما يدفع الجهات المعنية إلى تقديم منتج مالي ضريبي يتمتع بالوضوح والعائد المناسب والمرونة. وقد أكدت مصلحة الضرائب أن الاكتتاب في الصكوك سيكون اختياريًا.

الممول الملتزم يمكن أن يستفيد من الصكوك الضريبية كإحدى أدوات التخطيط المالي، خاصة إذا كان لديه قدر من اليقين بشأن التزاماته الضريبية المستقبلية، مؤكدًا أن العائد المعفى من الضريبة وفق الإطار القانوني المعلن يمثل عنصر جذب إضافيًا للممول.

الصكوك الضريبية تأتي في توقيت مهم بالنسبة لمسار الإصلاح الضريبي المصري، الذي يشهد توسعًا في الرقمنة، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الامتثال الطوعي، وتطوير العلاقة بين مصلحة الضرائب ومجتمع الأعمال. وتؤكد مصلحة الضرائب في توجهاتها الحالية أهمية التيسير على الممولين وتعزيز الالتزام الطوعي والتحول الرقمي في تقديم الخدمات والإقرارات.

الصكوك الضريبية يمكن أن تضيف بعدًا جديدًا إلى هذه المنظومة، لأنها لا تنظر إلى الممول باعتباره مجرد دافع للضريبة، وإنما تتيح له بصورة اختيارية أن يكون طرفًا في توفير تمويل للدولة، مقابل عائد وتسوية مستقبلية مرتبطة بالتزاماته الضريبية.

ويتطلب نجاح هذه التجربة كذلك وجود ضوابط قوية لمنع إساءة الاستخدام، وتحديد الحالات التي يمكن فيها استخدام الصك، وكيفية التعامل مع فروق قيمة الالتزامات الضريبية الفعلية عن التقديرات المستقبلية، بالإضافة إلى تحديد آليات التعامل مع توقف النشاط أو تغير المركز القانوني للممول.

صدور القواعد المنظمة خلال الفترة المقبلة سيكون بمثابة الاختبار الحقيقي للصكوك الضريبية، حيث ستنتقل الفكرة من الإطار العام إلى التطبيق العملي، وستتضح عندها قدرة الأداة على تحقيق أهدافها المالية والضريبية.

الصكوك الضريبية، إذا تم تصميمها بصورة دقيقة وتطبيقها في إطار من الشفافية والحوكمة والرقمنة، يمكن أن تمثل نقلة نوعية في إدارة الموارد والاحتياجات التمويلية للدولة، وأن تسهم في خفض تكلفة التمويل وخدمة الدين، مع تقديم ميزة جديدة للممولين.

المعادلة الأساسية التي يجب أن تحكم التجربة هي: تمويل أقل تكلفة للدولة، وعائد عادل وجذاب للممول، وتسوية ضريبية واضحة، وحماية كاملة لحقوق الطرفين، مشددًا على أن وضوح القواعد واستقرارها سيكونان العامل الأهم في بناء الثقة ونجاح الصكوك الضريبية في مصر.