يعكس إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 17 أكتوبر 2026، استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن المملكة العربية السعودية إذا طلبت الرياض ذلك، تطورًا لافتًا في مسار العلاقات المصرية السعودية، ويؤشر إلى تنامي الإدراك العربي بأن أمن الدول لم يعد شأنًا وطنيًا منفصلًا، بل منظومة مترابطة تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية. وتتجاوز دلالات الموقف المصري حدود التضامن السياسي التقليدي، لتؤكد أن التهديدات التي تستهدف المملكة قد تمتد آثارها إلى أمن مصر ومصالحها الحيوية، ولا سيما في ظل التحديات التي تواجه الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب. وكان السيسي قد أكد، خلال لقائه سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في القاهرة يوم 15 سبتمبر 2026، أن أمن المملكة ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، مشددًا على أهمية حماية حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. ويأتي هذا التوجه في سياق الجهود التي تبذلها القيادة السعودية لترسيخ مفهوم الأمن المشترك، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تقوم على أن استقرار المملكة يرتبط باستقرار محيطها العربي والإقليمي. وقد أسهمت التحركات السعودية في تعزيز الحوار والتشاور مع الدول الشقيقة والصديقة، وتوسيع مجالات التنسيق لمواجهة التحديات المشتركة، بما يدعم الانتقال من مواقف التضامن السياسي إلى العمل الجماعي لحماية المصالح المتبادلة. وتبرز أهمية هذا النهج في ظل تهديدات عابرة للحدود، باتت مواجهتها تتطلب تكاملًا في المواقف والإمكانات، وتنسيقًا مستمرًا بين الدول المعنية بأمن المنطقة. وتتجلى أبعاد هذا الترابط بوضوح في أمن البحر الأحمر وباب المندب، اللذين يمثلان ممرين حيويين للتجارة الدولية، ويرتبط استقرارهما مباشرة بالمصالح الاقتصادية المصرية عبر قناة السويس. فمنذ أواخر عام 2023، تسببت هجمات الحوثيين على السفن التجارية في اضطرابات واسعة لحركة الملاحة، دفعت شركات شحن إلى تحويل مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، ما انعكس سلبًا على إيرادات القناة. ووفقًا لتصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بلغت خسائر قناة السويس نحو 11 مليار دولار منذ بدء تلك الهجمات. وتكشف هذه الخسائر حجم التداعيات الاقتصادية المترتبة على تهديد الممرات البحرية، وتؤكد أن انعكاسات التصعيد الحوثي لا تتوقف عند حدود الدول المطلة على البحر الأحمر، بل تمتد إلى حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل والطاقة. ومن ثم، فإن حماية هذه الممرات لم تعد مسؤولية دولة بعينها، وإنما مصلحة مشتركة تفرض تنسيق الجهود الإقليمية والدولية لضمان استمرار الملاحة ومنع توظيفها أداةً للضغط السياسي والاقتصادي. وفي هذا الإطار، فإن تهديد الحوثيين للسواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر أو استهداف الملاحة عبر باب المندب من شأنه أن يرفع مستوى المخاطر على المصالح المصرية والسعودية وسائر الدول المعنية باستقرار المنطقة. ولا تقتصر خطورة هذه التهديدات على أبعادها العسكرية، بل تشمل إمكانية استغلال الموقع الجغرافي لفرض معادلات ضغط، ورفع تكاليف التجارة والطاقة، وتعميق حالة عدم الاستقرار في الإقليم. وعلى المستوى الاستراتيجي، يعكس الموقف المصري إدراكًا لأهمية الردع المشترك في مواجهة الجماعات المسلحة التي تستخدم القوة خارج إطار مؤسسات الدولة والقواعد الدولية. وقد سبق للقاهرة أن شاركت في التحالف الذي قادته السعودية عام 2015 دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. كما أكدت مصر، في بيان مشترك مع السعودية وتركيا وباكستان في سبتمبر 2026، حق المملكة في الدفاع عن نفسها وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مع التشديد على حماية الملاحة البحرية ودعم استقرار اليمن. وتؤكد هذه المواقف أهمية الجمع بين التنسيق السياسي والتعاون الأمني والتمسك بالشرعية الدولية، بما يعزز قدرة الدول المعنية على مواجهة التهديدات، ويحمي المصالح الاستراتيجية، ويحول دون اتساع نطاق الأزمات الإقليمية. كما تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة لا تقتصر على التعامل مع التهديدات المباشرة، بل تشمل دعم استقرار اليمن ومنع استغلال أراضيه وموقعه الجغرافي للإضرار بأمن المنطقة والملاحة الدولية. وفي المحصلة، يعكس الموقف المصري تحولًا في مقاربة الأمن القومي العربي، من مفهوم يقوم على حماية كل دولة لأمنها بصورة منفردة، إلى إدراك أعمق لوحدة المصالح وتشابك التهديدات. فحماية البحر الأحمر وباب المندب، وصون حركة التجارة الدولية، تمثل حلقات مترابطة في منظومة الأمن الإقليمي. ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق المصري السعودي، إلى جانب جهود القيادة السعودية في تعزيز الشراكات الإقليمية، لترسيخ تعاون عملي يستند إلى القانون الدولي، ويدعم استقرار اليمن، ويحمي الممرات الاستراتيجية، ويحد من مخاطر التهديدات العابرة للحدود. تحليل- عزام المشعل