.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت أديس أبابا دبلوماسياً مصرياً شخصاً غير مرغوب فيه، وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، في أحدث حلقات التصعيد بين البلدين. وردت القاهرة بإجراء مماثل ضد مستشار في السفارة الإثيوبية، فيما قال المتحدث باسم الخارجية المصرية نادر زكي إن القرار جاء تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل. ومع ذلك، ظل التصعيد حتى الآن دون مستوى سحب السفراء أو إغلاق السفارتين.
غير أن التصعيد الديبلوماسي لم يأتِ من فراغ، فخلال أقل من أسبوعين، انتقل التوتر بين البلدين بين ملفين بالغي الحساسية، الحرب المتجددة في شمال إثيوبيا، حيث اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية مصر بمساندة خصوم الحكومة، وملف سد النهضة، الذي شهد تراشقاً علنياً غير معتاد بين وزير الري المصري ومسؤولين إثيوبيين.
ويكشف تزامن هذه التطورات أن الخلاف لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل بات يمتد من مياه النيل إلى الأمن الإقليمي والحرب داخل إثيوبيا. وهذا الاتساع هو ما دفع الاتحاد الأفريقي إلى دعوة مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى «أقصى درجات ضبط النفس»، فيما قطعت أسمرة علاقاتها الديبلوماسية مع أديس أبابا، ما يرفع مخاطر تحول التوتر الثنائي إلى أزمة أوسع في القرن الأفريقي.
بدأت حلقة التصعيد الأكثر حساسية في 21 أيلول/سبتمبر، عندما أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف جديد هدفه إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. وضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو الوطنية الأمهرية، رغم أن الطرفين قاتلا سابقاً على جبهتين متعارضتين خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022.
وفي الأيام التالية، اتسعت المواجهات بين القوات الحكومية وخصومها في تيغراي وعفر وأمهرة، مهددةً اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة.
ومع توسع القتال، دخل اسم مصر مباشرةً إلى دائرة الاتهامات الإثيوبية، إذ قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، إن إريتريا تدعم جبهة تيغراي مالياً، وأشار إلى أن هذا الدعم يحتاج أيضاً إلى مساندة من السودان ومصر، من دون أن يقدم في تصريحاته المنشورة أدلة تفصيلية على دور مصري.
تزامن الاتهام الإثيوبي مع تقارب مصري إريتري معلن، إذ التقى وزير الخارجية بدر عبد العاطي نظيره الإريتري عثمان صالح في نيويورك في 24 أيلول/سبتمبر، وبحثا تعزيز العلاقات والتنسيق في القضايا الإقليمية.
من جانبها، رفضت القاهرة رفضت الاتهامات، وأكدت أن سياستها تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في موازاة الأزمة الأمنية، كانت العلاقات تتوتر على جبهة النيل بصورة متسارعة. ففي 21 أيلول/سبتمبر، قال وزير الري المصري هاني سويلم إن القاهرة لن تقبل فرض أمر واقع جديد على النيل الشرقي، وإن جميع الخيارات التي يتيحها القانون الدولي تظل متاحةً لحماية الأمن المائي المصري.
ولدى حديثه عن حق إثيوبيا في بناء السدود، قال سويلم إن على السياسيين الإثيوبيين أن يميزوا بين إنشاء مشروع داخل أراضي الدولة وبناء سد على نهر دولي مشترك.
الرد الإثيوبي جاء في اليوم التالي بلغة أشد. فقد وصفت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية تصريحات سويلم بأنها تعكس "عقلية استعمارية"، واتهمت القاهرة بالسعي إلى احتكار مياه النيل واشتراط موافقتها على مشروعات دول المنبع.
وبعد يومين، أكد مسؤولون إثيوبيون أن أديس أبابا لا تحتاج إلى إذن من دولة أخرى لبناء السدود، فيما قال مستشار لوزير المياه إن خطط إثيوبيا لا تتوقف عند سد النهضة، وإن ثلاثة سدود جديدة قيد الإعداد.
ويدفع التصعيد الجاري العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا إلى مرحلة أكثر تعقيداً، إذ يأتي طرد الديبلوماسيين تتويجاً لمسار متسارع انتقل خلال أيام من سجال حاد حول مياه النيل إلى اتهامات بالتدخل في الصراع الداخلي الإثيوبي، قبل أن يبلغ مستوى الإجراءات الديبلوماسية المتبادلة.
ومع بقاء السفارتين والسفيرين في موقعيهما حتى الآن، لا تزال هناك مسافة تفصل الطرفين عن القطيعة الديبلوماسية الكاملة، لكن أي خطوات إضافية، مثل طرد ديبلوماسيين آخرين، أو استدعاء السفراء، أو تصعيد أديس أبابا اتهاماتها للقاهرة بشأن الحرب الجارية على أراضيها، قد ينقل الأزمة إلى مستوى أشد من التصعيد.