لم يكن ملف غزة بعيدا عن أجندة الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى والأمانة العامة لاتحاد الأطباء العرب، الذي استضافته القاهرة على مدار يومين، بمشاركة ممثلين عن 18 نقابة وهيئة وكلية طبية عربية، في وقت تفرض فيه الكارثة الصحية التي يعيشها الفلسطينيون نفسها على أي نقاش يتعلق بمستقبل العمل الطبي والإنساني العربي.
فبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام على الحرب التي اندلعت في أعقاب 7 أكتوبر 2023؛ لم يعد الحديث عن القطاع الصحي في غزة متعلقا فقط بمستشفيات تعرضت للدمار أو مرضى يبحثون عن دواء، وإنما أصبحنا أمام منظومة صحية بأكملها تعرضت لضربات واسعة، شملت المنشآت الطبية والكوادر والأدوية والمستلزمات والأجهزة، وامتدت آثارها إلى المرضى أصحاب الأمراض المزمنة، ومرضى السرطان والقلب والكلى والسكري، والنساء والأطفال، والمصابين الذين يحتاجون إلى عمليات وتأهيل طويل.
وتكشف الأرقام حجم الأزمة التي يواجهها القطاع الصحي؛ فمنظمة الصحة العالمية تقول إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة تعمل بصورة جزئية، ولا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، بينما تعاني الأدوية الأساسية ووسائل التشخيص والمعدات والوقود نقصا حادا.
كما وثقت المنظمة منذ عام 2023 ما لا يقل عن 920 هجوما على المنشآت والعاملين الصحيين، أسفرت، وفق بياناتها، عن مقتل أكثر من 1700 من العاملين الصحيين.
ولا تقف الأزمة عند حدود المستشفيات والطوارئ، فالأمراض التي تحتاج إلى علاج مستمر أصبحت واحدة من أكثر الملفات إلحاحا.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن الخدمات الأساسية لنحو 350 ألف شخص من المصابين بأمراض مزمنة ما زالت متعطلة بشدة، مع نقص الأدوية ووسائل التشخيص والمعدات اللازمة لعلاج مرضى السكري والضغط والكلى والسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية، فيما يواجه نحو 700 مريض يحتاجون إلى غسيل الكلى خطرا مستمرا بسبب نقص المستلزمات، بينما لا تزال خدمات القلب والأورام متاحة بصورة محدودة للغاية.
وفي قلب هذه الأزمة تقف المرأة والطفل باحتياجات صحية لا يمكن تأجيلها؛ فالمرأة الحامل تحتاج إلى متابعة الحمل والولادة والرعاية بعد الولادة، والنساء والفتيات يحتجن إلى خدمات الصحة الإنجابية والأدوية والمستلزمات الخاصة بهن، بينما يحتاج الأطفال إلى الغذاء والمياه الآمنة والتطعيم والعلاج والرعاية النفسية والتأهيل، خصوصًا أن عددًا كبيرًا منهم تعرض لإصابات غيرت حياته.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 12.2% من الأطفال دون الخامسة في المناطق التي شملها مسح تغذوي أُجري في غزة خلال مايو ويونيو 2026 يعانون التقزم، وأن 37.1% منهم أصيبوا بالإسهال خلال الأسبوعين السابقين للمسح، بينما لم يحصل سوى 22.4% من الأطفال بين 6 و23 شهرا على الحد الأدنى المقبول من الغذاء، مع تسجيل سوء تغذية لدى الأمهات أيضا.
وتوضح اليونيسف، أن هذه النتائج تخص المناطق التي أمكن الوصول إليها خلال فترة المسح، ولا تمثل إحصاءً شاملًا لكل سكان القطاع.
أما على مستوى الكوادر البشرية، فتبدو الصورة أكثر قسوة، إذ يؤكد الدكتور صلاح الهشلمون، نقيب أطباء فلسطين، أن عدد الأطباء الذين كانوا يعملون في قطاع غزة قبل الحرب كان يقترب من 4 آلاف طبيب، بينما لا يعمل هناك حاليا سوى نحو 1400 إلى 1500 طبيب، بعدما قتل بعضهم ونزح آخرون، فيما تعذر على عدد منهم العودة إلى القطاع.
وبالتوازي مع ذلك، يواجه القطاع نقصا حادا في الأدوية والمستلزمات الطبية، بما في ذلك احتياجات مرضى الأمراض المزمنة، بينما تعاني خدمات غسيل الكلى والقلب والأورام من ضغوط كبيرة، وتواجه النساء والأطفال ظروفا صحية وغذائية بالغة الصعوبة، فضلا عن الإصابات التي خلفتها الحرب والتي تحتاج إلى جراحات ورعاية وتأهيل لسنوات.
وفي الضفة الغربية، لا تبدو الصورة أقل تعقيدا من زاوية أخرى، إذ يتحدث نقيب أطباء فلسطين عن أكثر من ألف بوابة وحاجز عسكري تعيق حركة المرضى والطواقم الطبية، بما يضيف عائقا جديدا أمام الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية، إلى جانب النقص في الأدوية والاحتياجات الطبية الأساسية.
ومن هنا، فإن الحديث عن غزة داخل اجتماع اتحاد الأطباء العرب لم يكن حديثا عن ملف بعيد عن واقع العمل الطبي العربي، وإنما عن منظومة صحية تحتاج إلى دعم عاجل وإعادة بناء طويلة المدى، وعن أطباء يعملون في ظروف استثنائية، ومرضى لا يستطيع كثير منهم الانتظار، ونساء وأطفال ومرضى مزمنين أصبحت أبسط احتياجاتهم الصحية جزءا من أزمة أكبر.
وفي هذا السياق، أجرى "صدى البلد" حوارا مع الدكتور صلاح الهشلمون، نقيب أطباء فلسطين، على هامش الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى والأمانة العامة لاتحاد الأطباء العرب في القاهرة، للوقوف على حقيقة الأوضاع الصحية في غزة والضفة الغربية، وما الذي جرى للمنظومة الطبية الفلسطينية خلال سنوات الحرب، وحجم النقص في الأدوية والمستلزمات والكوادر، وأوضاع مرضى السرطان والكلى والقلب والسكري، واحتياجات النساء والأطفال، ومستقبل إعادة بناء القطاع الصحي، فضلًا عن الدور العربي والمصري في تقديم الدعم الطبي والإنساني للفلسطينيين.
الوضع الفلسطيني لا يحتاج إلى الكلام، بل يحتاج إلى الدعم والمساعدة والمساندة.رغم أن هناك حديثا في بعض وسائل الإعلام عن تحسن في الوضع، فإن الحقيقة أن الوضع الصحي في غزة ما زال كارثيا، وكذلك الوضع في الضفة الغربية، وإن كانت طبيعة الأزمة تختلف من مكان إلى آخر، فالقطاع مر بظروف قاسية جدا، وما تعرض له أهلنا هناك أدى إلى انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، فعدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية تعرض للدمار، وبعض المنشآت التي ما زالت موجودة تعمل بصورة جزئية، وبعضها يعمل بقدرات محدودة جدا، فنحن نتحدث عن نقص في المستلزمات الطبية والمستهلكات والأدوية، وعن نقص في المعدات والكوادر، ولذلك فإن قدرة المستشفيات على تقديم الخدمة لم تعد كما كانت قبل العدوان.
بالتأكيد، القضية ليست تدمير مبانٍ فقط، عندما يتم تدمير مستشفى، فأنت لا تدمر جدرانا فقط، وإنما تدمر قسم الطوارئ والعمليات والعناية المركزة والمختبر والأشعة والصيدلية والولادة وكل الخدمات الموجودة داخل هذا المستشفى، ثم هناك العنصر البشري، وهو الطبيب والممرض والمسعف والفني، وهذا العنصر أيضا تعرض للخسائر والنزوح والاعتقال، وبالتالي فإن تدمير القطاع الصحي شمل الإنسان والمنشأة في الوقت نفسه.
قبل العدوان كان هناك نحو 4 آلاف طبيب في قطاع غزة.. أما الآن، فلا يعمل في القطاع سوى نحو 1400 إلى 1500 طبيب تقريبا، فبعض الأطباء استشهدوا، وبعضهم نزح، وبعضهم لم يتمكن من العودة إلى غزة، وبالتالي أصبح لدينا نقص كبير جدا في عدد الأطباء، في الوقت الذي تضاعفت فيه الاحتياجات الصحية، والطبيب الموجود اليوم لا يتعامل مع حالة واحدة أو تخصص واحد، وإنما يجد نفسه أمام إصابات الحرب، والمرضى المزمنين، والأطفال، والنساء، ومرضى السرطان والكلى والقلب والسكري، إلى جانب الأمراض المعدية والاحتياجات النفسية والتأهيلية.