وأنا أناقش «مستقبل قطاع التعهيد وصعود الوكلاء الذكيين»، وأهمية تطوير مهارات المبرمج المصري في ظل التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي، لا بد من التذكير بأن الكفاءة التقنية لم تعُد وحدها كافية، بل أصبح الاعتماد متزايدًا على بيئات حوسبة قادرة على استيعاب هذا التحول.
هنا يظهر دور البنية التحتية لمراكز البيانات كونها الأساس الذي تستند إليه التحولات المتسارعة في هذا القطاع، لأنها توفر: القدرة الحسابية، سعات التخزين، وسرعات المعالجة التي تحتاجها النماذج الذكية للعمل بكفاءة واستمرارية.
فإذا كان العقل البشري «المطور» يمثل القوة الدافعة لهذا التحول، فإن «مراكز البيانات» تمثل البيئة التي تتيح له العمل والإنتاج والتوسع، فهي ليست مجرد منشآت تقنية، بل عنصر حاسم في بناء اقتصاد رقمي قادر على المنافسة.
تضمن «مراكز البيانات» استقرار الخدمات الرقمية، تدعم انتشار التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والأهم، أنها تفتح المجال أمام نماذج عمل جديدة قائمة على الأتمتة والتحليل المتقدم للبيانات.
تتحرك مصر اليوم بخطوات متسارعة لترسيخ مكانتها كأحد أهم «الممرات الرقمية» التي تربط الشرق بالغرب، في إطار رؤية استراتيجية جرى تأسيسها منذ سنوات بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
يؤكد السيد الرئيس في أكثر من مناسبة أن «العالم يتغير، ومَن لن يلحق بركب التكنولوجيا سيجد نفسه معزولاً عن المستقبل». تأتي هذه الرؤية ضمن توجه أوسع يستهدف تعزيز موقع مصر في خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي.
لا تتعامل مصر مع الملف بالأمنيات لكن عبر: تطوير البنية التحتية للاتصالات، توسيع قدرات الربط الدولي، وتحسين كفاءة نقل البيانات عبر أراضيها. توجُّه يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الموقع الجغرافي لمصر بوصفه نقطةَ عبور رئيسية لحركة البيانات بين القارات، إلى جانب الاستثمار في مشروعات الكابلات البحرية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات المتقدمة.
يُنظر إلى هذا المسار باعتباره ركيزةً لدعم التحول الرقمي، وجذب الاستثمارات التكنولوجية، وتعزيز قدرة الدولة على المنافسة في سوق عالمي يعتمد بصورة متزايدة على تدفق المعلومات وسرعة المعالجة والاتصال.
تمتلك مصر موقعًا جغرافيًّا فريدًا يجعلها أحد أهم الممرات الرئيسية لحركة البيانات بين الشرق والغرب، وهو ما يمنحها دورًا محوريًّا في البنية العالمية للاتصال الرقمي. فامتدادها بين قارتَي آسيا وإفريقيا، وقربها من أوروبا عبر البحر المتوسط، جعلها نقطة عبور طبيعية للكابلات البحرية التي تنقل جزءًا كبيرًا من حركة الإنترنت الدولية.
تشير تقديرات قطاع الاتصالات إلى أن أكثر من 90% من حركة البيانات العابرة بين الشرق والغرب تمر عبر الأراضي والمياه المصرية، ما يضعها في موقع متقدم داخل منظومة الاتصال العالمية. هذا الدور لا يرتبط بالجغرافيا فقط، بل يتعزز عبر استقرار البنية التحتية وتطور شبكات الاتصالات، بما يجعل مصر عنصرًا أساسيًّا في تأمين واستمرارية تدفق البيانات على المستوى الدولي.
تتميز مصر بكونها بيئة مستقرة لتخزين ومعالجة البيانات، حيث تتمتع بسيادة كاملة وراسخة على أراضيها، في ظل الاستقرار السياسي والأمني مقارنةً بمناطق عديدة تشهد توترات وصراعات مسلحة قد تؤثر على استمرارية البنية التحتية الرقمية. هذا الوضع يوفّر أساسًا مهمًّا لحماية الشبكات والكابلات ومراكز التشغيل المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
الاستقرار، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، يمنح المستثمرين الدوليين درجةً عاليةً من الثقة في الاعتماد على مصر كموقع لمراكز البيانات والخدمات السحابية. فاختيار مواقع البنية الرقمية لا يرتبط فقط بالكفاءة التقنية، بل أيضًا بقدرة الدولة على ضمان استمرار التشغيل دون مخاطر انقطاع أو تهديدات خارجية مباشرة.
تستفيد مراكز البيانات داخل مصر من عنصرين متكاملين: الأول هو القرب الجغرافي من مسارات حركة البيانات العالمية بما ينعكس على تقليل زمن الاستجابة وتحسين كفاءة الخدمات الرقمية، والثاني هو منظومة الحماية التي توفرها الدولة، حيث يُنظر إلى تأمين الممرات الرقمية باعتباره جزءًا من اعتبارات الأمن القومي، بما يعزز استقرار هذا القطاع الحيوي على المدى الطويل.
هذا التوجه كان حاضرًا في حديث السيد الرئيس خلال افتتاح مؤتمر «Cairo ICT» في نوفمبر 2020، عندما أشار قائلاً: «نحن نتحرك بقوة لبناء بنية أساسية رقمية تليق بمصر وتستوعب طموحات شعبها. هدفنا أن نكون مركزًا إقليميًّا لتبادل البيانات».
يُظهر هذا التصريح إدراكًا مبكرًا لأهمية تطوير البنية الرقمية كمدخل لتعزيز مكانة مصر في الاقتصاد العالمي القائم على البيانات، وربط ذلك بمسار طويل من الاستثمار في الاتصالات والتحول الرقمي.
رغم ما يتيحه هذا المسار من فرص واسعة، فإن قطاع مراكز البيانات عليه التعامل مع تكلفة الطاقة وأنظمة التبريد، خاصة في ظل الظروف المناخية المرتفعة الحرارة، وهو ما يرفع من تكلفة التشغيل ويؤثر على كفاءة الاستدامة التشغيلية للمراكز.
كما تتصاعد حدة المنافسة الإقليمية مع دول تمتلك قدرات مالية واستثمارية كبيرة تستهدف جذب استثمارات مراكز البيانات العالمية، إلى جانب استمرار الفجوة في المهارات المتخصصة المرتبطة بإدارة وتشغيل هذه المنظومات المعقدة.
يوازي ذلك تصاعد تهديدات الأمن السيبراني، بما يجعل حماية البنية الرقمية وتطوير قدرات الدفاع السيبراني عنصرًا أساسيًّا في استقرار هذا القطاع واستدامته. لكن تعمل الدولة والقطاع الخاص في مصر على صياغة مسارات متوازنة لمواجهة التحديات التي تعترض نمو قطاع مراكز البيانات، عبر مزيج يجمع بين: تطوير البنية التحتية، تعزيز الكفاءة التشغيلية، وبناء القدرات البشرية.
يستند هذا التوجه إلى إدراك متزايد بأن هذا القطاع لم يعُد نشاطًا تقنيًّا منفصلاً، بل جزءًا من منظومة الاقتصاد الرقمي والأمن القومي في آن واحد.وفي محور الطاقة المستدامة، يتجه العمل نحو إنشاء «مراكز البيانات الخضراء» عبر دمج حلول الطاقة الشمسية وتقنيات تبريد المناطق، بما يقلل من الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية ويرفع كفاءة التشغيل.
هنا، لابد أن نتذكر إشارة الرئيس السيسي خلال زيارته لمجمع مراكز البيانات في مايو 2024 إلى أن توفير الطاقة المستقرة يمثل «جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي».
هذا الطرح يوضح العلاقة الوثيقة بين البنية الرقمية واستقرار الدولة بشكل عام، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية والبنية التحتية التكنولوجية في مختلف القطاعات.
في هذا الإطار، تظهر فرصة قوية لربط مراكز البيانات الضخمة بمشروعات الطاقة المتجددة في مصر، من خلال الاستفادة من الفائض في إنتاج محطات الطاقة الشمسية أو مزارع الرياح في رأس غارب لتشغيل هذه المراكز بتكلفة أقل.
كما تمتد الفكرة إلى التعاون مع مشروعات الهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي يمكن أن تقدم حلولاً فعالة لتشغيل أنظمة التبريد ذات الاستهلاك العالي للطاقة. الاعتماد على «مراكز البيانات الخضراء» يمنح ميزةً إضافيةً قائمةً على خفض الانبعاثات الكربونية، إلى جانب الموقع الجغرافي المميز ومستوى الاستقرار داخل الدولة.