مصر أقلّ إنجاباً… هل صنع الوعي التحوّل أم فرضه الخوف من المستقبل؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

على مدار تاريخ مصر الحديث، عرفت البلاد تزايداً مطّرداً في النموّ السكاني؛ إذ أصبح أكثر أحد الملفات إلحاحاً على الحكومات المتعاقبة، ومصدراً دائماً للقلق حيال قدرة الدولة على توفير التعليم والصحة والسكن وفرص العمل. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً في الاتجاه المعاكس؛ إذ بات المصريون ينجبون أقلّ.

فقد هبط عدد المواليد من مليونين و720 ألفاً عام 2014 إلى مليون و968 ألفاً عام 2024، أي بتراجع يقارب 28% خلال عقد، بينما انخفض معدل الإنجاب الكلي من 3.5 أطفال لكل سيدة إلى 2.41، إلى جانب تراجع معدل المواليد من 30.7 إلى 18.5 لكل ألف شخص خلال المدة نفسها، وفق بيانات وزارة الصحة والسكان المصرية.

هذا التراجع يكشف عن تحوّل طويل عميق في معنى الزواج والإنجاب داخل المجتمع؛ وهو ما يفتح أبواب التساؤلات بشأن أسباب العزوف عن الإنجاب بكثرة، فهل باتت الأسرة المصرية أكثر قدرة على التخطيط، أم أقلّ قدرة على تحمّل تكلفة طفل جديد؟

يقول الخبير في الديموغرافيا السياسية أكرم ألفي، في تصريحات لـ"النهار"، إن تراجع الخصوبة في مصر لا يمكن اختزاله في الأزمة الاقتصادية وحدها، موضحاً أن المنحنى بدأ بالهبوط منذ عام 2015، بعد ارتفاع موقت بين عامي 2009 و2013. وبحسب تحليله، كان تعليم الفتيات، وخصوصاً التوسّع في التحاقهن بالتعليم الجامعي، العامل الأبرز وراء هذا التحوّل.

تكتسب هذه القراءة أهميتها من أنها تضع بداية الانخفاض قبل الموجات التضخمية الأشد التي عرفتها مصر أخيراً. فهي تنقل النقاش من أثر الغلاء المباشر إلى التحولات التي أصابت سلوك الزواج والإنجاب قبل وصول الأزمة الاقتصادية إلى ذروتها.

ويصف ألفي تعليم الفتيات بأنه "العامل الأول والأساسي" في تراجع الخصوبة، مشيراً إلى أن الفتيات أصبحن يمثلن نحو نصف الملتحقين بالتعليم العالي، وهو تحوّل يراه مؤثراً بصورة مباشرة في مسار الزواج والإنجاب.

وتدعم بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هذا الاتجاه، إذ بلغت نسبة الإناث 49.6% من إجمالي 3.8 ملايين طالب مقيّدين بالتعليم العالي خلال العام الدراسي 2023/2024، وفق النشرة السنوية للطلاب المقيّدين وأعضاء هيئة التدريس.

الخبير في الديموغرافيا السياسية أكرم ألفي

من جهتها، تقول الدكتورة علياء عامر، الخبيرة الديموغرافية المتخصّصة بدراسات الجندر، ممثلة دول شمال أفريقيا في الاتحاد الأفريقي للدراسات السكانية، في تصريحات لـ"النهار"، إن تراجع المواليد لا ينبغي اعتباره ثمرة السياسات الحالية وحدها، بل محصلة تراكم بدأ منذ ستينيات القرن الماضي، حين شرعت مصر في تبنّي سياسات سكانية، قبل أن تمثل الفترة بين عامي 1980 و2000 ما تصفها بـ"الفترة الذهبية" لبرامج تنظيم الأسرة.

وتضيف عامر أن الانخفاض الحالي يمثل، إلى حدّ كبير، استئنافاً للمنحنى الهبوطي التاريخي الذي تعطل موقتاً خلال مرحلة الاضطرابات بين عامي 2011 و2013، حين ارتفع معدل الإنجاب الكلي إلى نحو 3.5 أطفال لكل سيدة بعدما كان قد انخفض إلى 3.2. وبعد تلك المرحلة، أعادت الدولة صوغ استراتيجياتها السكانية وتفعيلها للحفاظ على المكتسبات السابقة ومواصلة خفض المعدلات.

بحسب رأي ألفي، لا تبدأ قصة تراجع الخصوبة من الحملة الحكومية وحدها، بل من التحوّل في تعليم الفتيات. فالتعليم الجامعي، كما يراه، يأخذ سنوات من عمر الفتاة قبل الزواج، ثم يفتح أمامها لاحقاً باب البحث عن عمل وشريك متعلم، بما يغيّر حساباتها حيال حجم الأسرة، ويدفعها غالباً إلى الاكتفاء بطفل أو طفلين. وبالتوازي، تصبح المرأة المتعلمة، بحسب قوله، أقدر على الوصول إلى وسائل تنظيم الأسرة واستخدامها.

لذلك يرفض ألفي ربط استمرار ارتفاع معدل الإنجاب في بعض مناطق الصعيد بالعامل الثقافي وحده. ويقول إن انخفاض التحاق الفتيات بالتعليم الجامعي في مناطق ريفية بمحافظات مثل أسيوط والمنيا وسوهاج يفسّر استمرار معدلات خصوبة أعلى هناك، أكثر ممّا تفسّره الثقافة وحدها.

الفكرة هنا ليست أن الثقافة غائبة، بل أن التعليم، في تقديره، هو المتغيّر الأشد حسماً في إعادة تشكيل قرار الإنجاب.

وتدعم البيانات وجود علاقة قوية بين مستوى التعليم والخصوبة، فقد أظهر مسح صحّة الأسرة المصرية لعام 2021 أن معدّل الإنجاب بلغ 3.6 أطفال لدى النساء الحاصلات على قدر من التعليم الابتدائي، مقابل 2.6 لدى الحاصلات على تعليم ثانوي كامل أو أعلى، أي إن الفارق بين الفئتين بلغ طفلاً كاملاً لكل امرأة، وفق تحليل صندوق الأمم المتحدة للسكان مستند إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء.

بيانات توضيحية للوضع في مصر (تصميم النهار)

وتسلط الإحصاءات الضوء على الفوارق الجغرافية التي تكشف بدورها حجم الهوّة. ففي عام 2021، بلغ معدل الإنجاب 3.6 أطفال لكل سيدة في ريف الصعيد، في مقابل 2.4 في حضر الوجه البحري و2.2 في المحافظات الحضرية. ولا يمكن ردّ هذا الفارق إلى الثقافة وحدها، إذ تتداخل فيه مستويات التعليم والدخل، وسن الزواج، وفرص العمل، وسهولة الوصول إلى خدمات الصحّة الإنجابية.

لكن البيانات تضع قيداً مهماً على تفسير العلاقة بتأخير الزواج وحده. فمتوسط سن الزواج الأول للنساء بين 25 و49 عاماً ظل عند 20.8 سنة في مسحي 2014 و2021، رغم انخفاض الخصوبة خلال الفترة نفسها. ويعني ذلك أن أثر التعليم قد لا يمر فقط عبر تأخير الزواج، بل كذلك عبر تغيير عدد الأطفال المرغوب فيهم والسلوك الإنجابي بعد الزواج.

وهذا ما تؤيده الأرقام. فقد انخفض معدل الإنجاب المرغوب من 2.8 طفل عام 2014 إلى 2.14 عام 2021. وبذلك، لم تنخفض الولادات الفعلية فقط، بل تقلص أيضاً حجم الأسرة التي تقول النساء إنهن يرغبن فيها. هنا يبدو التحوّل أعمق من الاستجابة الشعبية للسياسات الحكومية؛ لأنه يمسّ التصورات نفسها حول شكل الأسرة المثالية.

وسائل تنظيم الأسرةترى عامر أنه لا ينبغي الاعتماد على تقييم السياسات السكانية على العدد الإجمالي للمواليد فقط، بل على مؤشرات مثل انتشار استخدام وسائل تنظيم الأسرة، والحاجة غير الملبّاة، والحمل غير المخطط له، ومعدلات التوقف عن استخدام الوسائل.

هذه المؤشرات، في رأيها، هي التي تكشف ما إن كان انخفاض المواليد ناجماً عن قدرة حقيقية على التخطيط، أم عن عوامل أخرى تضغط على الأسرة من خارج منظومة الاختيار.

وتعني "الحاجة غير الملبّاة" أن تكون المرأة قادرة على الإنجاب، وترغب في تأجيل الحمل أو عدم إنجاب مزيد من الأطفال، لكنها لا تستخدم وسيلة لمنعه، سواء بسبب عدم التوفر أو ضعف المشورة الطبية أو الخوف من الآثار الجانبية أو صعوبة الاستمرار في الاستخدام.

الخبيرة الديموغرافية المتخصصة في دراسات الجندر الدكتورة علياء عامر

وتوضح عامر أن انخفاض هذا المؤشر، خصوصاً في الريف والمناطق الأقل خدمة، يُعد دليلاً مهماً على نجاح السياسات السكانية، لأنه يعني أن النساء لا يكتفين بالرغبة في تنظيم الأسرة، بل يجدن فعلاً الخدمة والوسيلة المناسبة.

وتكشف بيانات المسوح أن هذا الشرط لم يتحقق بالكامل. فقد ارتفعت نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة من 58.5% عام 2014 إلى 66.4% عام 2021، وهو تحسّن واضح.

صورة توضيحية للوضع في مصر (تصميم النهار)