مشهد جيوسياسي عالمي مضطرب

يعكس المشهد الجيوسياسي الدولي، تزايداً في النزاعات والصراعات والحروب التي تلوّن العالم بلون الدم على حساب السلام والرخاء والاستقرار، من دون أي مؤشرات إيجابية تفيد بأن هذا المشهد قد يتغير إلى الأفضل قريباً.مؤشر السلام العالمي، الذي أصدر نسخته ال 20 هذا العام، قدم صورة قاتمة بشأن حالة السلام في العالم، فالكرة الأرضية تشهد أعلى عدد من النزاعات بين الدول منذ الحرب العالمية الثانية قبل 71 عاماً، في تراجع لمستوى السلام العالمي لعام ال 12 على التوالي.يفيد المؤشر بأن 119 دولة اليوم، أصبحت أقل سلماً عما كانت عليه في عام 2008، في حين شاركت 103 دول في نزاع خارجي خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما يقارب ضعف العدد المسجل عند بدء إصدار المؤشر في 2006.هذا التدهور الملحوظ للسلام العالمي لا ينبع من فراغ، بل يأتي محصلة واقعية وحتمية للتدهور الذي أصاب النظام العالمي المهيمن على المجتمع الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأيقونته الأمم المتحدة والعمل المشترك لصالح البشرية وازدهار الشعوب.نشأت المنظمة الدولية لتكون مرآة صقيلة للقيم الإنسانية ومنبراً ومستودعاً لآليات فض النزاعات، وتوسيع حاجة المجتمع الدولي إلى السلام والأمن والاستقرار وكفالة حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والتنمية، لكن هذا الدور الحيوي، بات في حالة تراجع منذ أن تضخمت ال«أنا» الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة، وتعالي صوت القطب الواحد الذي يسوق العالم، ولا يريه إلا ما يرى، فمنذ ذلك الوقت استخدمت الولايات المتحدة، المنظمة الدولية أداة لتنفيذ رغباتها لترغيب وترهيب الدول الأخرى، وتزايدت الهيمنة على مؤسسات المنظمة الدولية، لتأتمر بأوامر وزارة الخارجية الأمريكية.لم يعد مجلس الأمن الدولي منبراً لإدارة الأمن والسلم الدوليين، بل تعطلت فاعليته في فض النزاعات ومنع الحروب وحفظ السلام بسبب الأنانية الضيقة على حساب المبادئ، وإعلاء قيم الحق ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة على المصالح المزعومة للكبار ممن يملكون حق النقض.العالم اليوم بات مهدداً أكثر فأكثر بالسقوط في حمأة النزاعات والصراعات والحروب في غياب الإرادة الدولية في إدارة العالم نحو السلام والازدهار. أسوأ مشاهد الوضع الجيوسياسي العالمي اليوم هو الحروب المفتوحة التي تتورط فيها ما تسمى القوى العظمى، فهي حروب تطحن شعوباً وتفكك دولاً وتغرق البشر في المزيد من المآسي والفقر والجوع وسحق الكرامة، من دون بصيص أمل على نهايتها، لكأنها باتت قدراً محتوماً على دول وشعوب لمجرد أن من بيدهم الحل والعقد الدولي لا يريدون وضع حد لأوزارها.في كل يوم تفقد الأمم المتحدة، الممثلة لقيم تجمع المجتمع الدولي قدرتها على العمل وفق هذه القيم، يتزايد الاندفاع نحو تسوية الخلافات والنزاعات بالوسائل غير الدبلوماسية، والدفع إلى المزيد من الاضطرابات والتوترات التي تفاقم من وضع حقوق الإنسان والاستقرار والتنمية.العالم اليوم أكثر حاجة إلى التمسك بالمبادئ وإعلاء قوة الحق لا حق القوة من أجل عالم مسالم يسوده الهدوء وتنمو فيه الشراكات في مجالات التجارة والاستثمار والأمن والتعاون.