لم يكن الإنسان في الماضي يملك كثيرًا من الخيارات، ولذلك كان الاختيار في أحيان كثيرة يبدو أكثر بساطة. يذهب إلى متجر فيجد عددًا محدودًا من الأشياء، ويقرأ ما يقع في يده من الكتب، ويعرف الأشخاص القريبين منه، ويسافر إلى الأماكن التي يستطيع الوصول إليها، ثم يمضي في حياته دون أن يشعر بأن هناك آلاف الاحتمالات الأخرى التي كان يمكن أن يختارها. أما اليوم، فقد تغير كل شيء تقريبًا، لم تعد المشكلة أن نجد ما نريد، بل أن نعرف ماذا نريد أصلًا وسط كل هذا الذي يمكن أن نختاره.
يكفي أن نفتح منصة لمشاهدة فيلم حتى نجد أمامنا مئات الخيارات، فنقضي وقتًا طويلًا في البحث عن شيء نشاهده بدل أن نشاهد شيئًا، ونفتح تطبيقًا لشراء كتاب، فنجد عشرات العناوين التي تبدو جميعها جديرة بالقراءة، فنشتري بعضها ونؤجل بعضها الآخر، ثم نكتشف بعد أشهر أننا لم نقرأ شيئًا كاملًا. ونبحث عن دورة نتعلم منها مهارة جديدة، فتظهر أمامنا آلاف الدورات، حتى يصبح اختيار الدورة أصعب من تعلم المهارة نفسها. لقد أصبحت الأشياء أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكن الوصول إليها لم يعد يعني بالضرورة القدرة على اختيارها.
ربما تكمن إحدى مفارقات عصرنا في أن الوفرة التي كان الإنسان يحلم بها تحولت أحيانًا إلى عبء، كنا نظن أن الحرية تعني أن تكون أمامنا خيارات كثيرة، لكننا اكتشفنا أن كثرة الخيارات تحتاج هي الأخرى إلى قدرة على الاستبعاد، فحين تكون أمامك ثلاثة أبواب، تستطيع أن تدخل أحدها وتمضي، أما حين تجد مئة باب، فقد تقف طويلًا أمامها وأنت تفكر: ماذا لو كان الباب الذي سأختاره ليس الأفضل؟ وهنا لا يعود الخوف من الاختيار نابعًا من قلة البدائل، بل من كثرتها.
ولعل التكنولوجيا لم تصنع هذه المشكلة وحدها، لكنها جعلتها أكثر وضوحًا، فالهاتف الذي نحمله لا يعرض لنا العالم فقط، بل يعرض لنا احتمالات لا تنتهي. يمكننا أن نتابع هذا الشخص أو ذاك، أن نقرأ هذا الكتاب أو غيره، أن نتعلم لغة أو برمجة أو تصويرًا، أن نعمل من مكان مختلف، أن نسافر إلى مدينة لم نسمع بها من قبل، وأن نغيّر خططنا في أي لحظة تقريبًا. كل شيء يبدو متاحًا، وكل طريق يبدو قابلًا للتجربة، لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش كل الاحتمالات في وقت واحد، ولذلك فإن اتساع الممكن قد يجعل الالتزام بالمختار أكثر صعوبة.
نحن لا نعاني اليوم فقط من الخوف من أن نختار الاختيار الخطأ، بل من فكرة أكثر خفاءً: الخوف من أن يكون هناك اختيار أفضل مما اخترناه. حين نشتري شيئًا، نعرف أن هناك نسخة أخرى ربما كانت أجمل، وحين نختار مكانًا للسفر، نعرف أن عشرات الأماكن الأخرى كانت متاحة، وحين نختار كتابًا، نرى في القائمة كتبًا أخرى قد تكون أهم. وحتى في القرارات اليومية الصغيرة، تظل الشاشة قادرة على تذكيرنا بأن هناك دائمًا احتمالًا آخر ينتظرنا.
وهكذا أصبح الإنسان يعيش أحيانًا بجوار حياته، لا داخلها. يختار شيئًا، لكنه يظل ينظر إلى البدائل، يبدأ طريقًا، لكنه يراقب الطرق الأخرى، يقرأ كتابًا، لكنه يفكر في الكتب التي لم يقرأها. يسافر إلى مكان، لكنه يرى في هاتفه أماكن أخرى، وكأننا لم نعد نكتفي بأن نعيش التجربة، بل نريد أن نتأكد باستمرار من أننا نعيش أفضل تجربة ممكنة.
وهذه الرغبة تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها قد تجعل الحياة مستحيلة، فالحياة لا تمنحنا فرصة تجربة جميع الاحتمالات قبل اتخاذ القرار. لا نستطيع أن نعيش كل الوظائف حتى نعرف أيها أفضل، ولا أن نقيم في كل المدن حتى نختار مدينتنا المفضلة، ولا أن نعرف كل الناس حتى نقرر من يستحق أن يبقى قريبًا منا. في مرحلة ما، لا بد من أن نختار، ثم نمنح اختيارنا وقتًا كافيًا حتى نكتشف قيمته.
ربما نحتاج إلى أن نفهم أن الاختيار لا يعني العثور على الشيء المثالي، بل الاستعداد لصناعة معنى حول الشيء الذي اخترناه، كثير من الأشياء لا تصبح جميلة لأنها كانت الخيار الأفضل منذ البداية، وإنما لأننا منحناها من وقتنا واهتمامنا ووفائنا ما جعلها ذات قيمة. وقد يكون الفرق بين حياة ممتلئة وحياة مشتتة هو أن الأولى تعرف متى تتوقف عن البحث.
نحن نعيش في زمن تستطيع فيه أن تبدأ أشياء كثيرة، لكن المشكلة أنك قد لا تكمل شيئًا. تستطيع أن تتعلم عشر مهارات، لكنك قد تظل مبتدئًا في كلها. تستطيع أن تقرأ مئات التوصيات، لكنك قد لا تقرأ كتابًا حتى نهايته، تستطيع أن تتعرف إلى آلاف الأشخاص عبر الشاشات، لكنك قد تفتقد علاقة واحدة عميقة. لقد أصبح البدء سهلًا جدًا، بينما أصبح الاستمرار هو المهارة الأصعب.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي في هذا العصر: «ماذا يمكنني أن أفعل؟»، فالإجابة أصبحت واسعة إلى درجة تكاد تكون بلا حدود. السؤال الأهم هو: «ماذا يستحق أن أفعل؟» بين السؤالين مسافة كبيرة، الأول يفتح أمامنا كل الأبواب، أما الثاني فيساعدنا على اختيار الباب الذي يستحق أن نمضي من خلاله. الأول يتحدث عن الإمكان، والثاني عن المعنى، وقد يكون الإنسان قادرًا على فعل أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يمنح كل شيء وقته واهتمامه وقلبه.
نحتاج، وسط هذه الوفرة، إلى شجاعة الاستبعاد. أن نقول: هذا لن أفعله، هذا لن أقرأه الآن. هذا الطريق لن أسلكه، وهذه الفرصة، رغم أنها تبدو جيدة، ليست لي. فليست الحكمة في أن نفتح كل الأبواب، وإنما في أن نعرف أي الأبواب نحتاج إلى فتحها، وأيها يكفي أن نمر بجانبها دون أن نشعر بالندم.
وربما يكون النضج في زمن الخيارات الكثيرة هو أن نتوقف عن سؤال أنفسنا في كل لحظة: «ماذا فاتني؟» ونبدأ بسؤال آخر: «ماذا أريد أن أعيش؟». لأن الحياة ليست قائمة طويلة من الخيارات نريد أن نضع علامة أمامها جميعًا، وإنما مجموعة محدودة من اللحظات التي لا يمكن استعادتها. قد لا تكون المشكلة أن كل شيء أصبح ممكنًا، بل إننا بدأنا نعتقد أن علينا أن نجرب كل ما هو ممكن، وهنا تتحول الحرية إلى ضغط، والوفرة إلى تشتيت، والاختيار إلى قلق دائم.
لعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه في زمن الخيارات المفتوحة هو أن ليس كل ما يمكن أن نفعله يستحق أن نفعله، وأن اختيار طريق واحد لا يعني أننا خسرنا الطرق الأخرى، بل يعني أننا قررنا أخيرًا أن نمشي في طريقنا، فالحياة لا تحتاج منا أن نختار كل شيء... يكفي أحيانًا أن نختار شيئًا واحدًا، ثم نعيش معه بصدق.
لم يكن الإنسان في الماضي يملك كثيرًا من الخيارات، ولذلك كان الاختيار في أحيان كثيرة يبدو أكثر بساطة. يذهب إلى متجر فيجد عددًا محدودًا من الأشياء، ويقرأ ما يقع في يده من الكتب، ويعرف الأشخاص القريبين منه، ويسافر إلى الأماكن التي يستطيع الوصول إليها، ثم يمضي في حياته دون أن يشعر بأن هناك آلاف الاحتمالات الأخرى التي كان يمكن أن يختارها. أما اليوم، فقد تغير كل شيء تقريبًا، لم تعد المشكلة أن نجد ما نريد، بل أن نعرف ماذا نريد أصلًا وسط كل هذا الذي يمكن أن نختاره.